ما بعد المذبحة.. الانسحاب أم المواجهة؟!

كانت مصر على موعد آخر ما بعد تحركات الجيش في منتصف عام 2013، حمل الجيش على كتفيه انقلاب عسكري بغطائه المدني المتمثل في المدنيين العسكريين الذين وقفوا دائما في مواجهة التيار الإسلامي الحاكم أنذاك. أربك الانقلاب العسكري الذي أقدم عليه الجنرال السيسي صفوف التيار الإسلامي وعلى رأسها الإخوان المسلمين، إذ أن القاعدة العريضة التي وقفت في الميادين لم يكن في حسبانها أية مواجهة أو حتى انقلاب على الدكتور محمد مرسي بالرغم من وجود المؤشرات المتتابعة على احتمالية حدوث ما حدث، إلا أنه بالرغم من وجود التحذيرات لم يكن في عقل الساسة الذين أداروا المشهد وعلى رأسهم الإخوان المسلمين مساندة للرئيس احتمالية حدوث انقلاب عسكري بهذا الحجم مما جعلهم ووضعهم في إطار التجارب المختلفة لمثل هذه المواقف.

جاءت الاعتصامات التي ملأت الشوارع والميادين ضمن إطار مواجهة مسار الـ30 من يونيو الذي كان معدا مسبقا بشكل جيد على أنه تصحيح مسار فقط، فقابلها الإسلاميين وأنصار الرئيس مرسي باعتصامات مشابهة في ميداني رابعة والنهضة، إلا أن وقع الانقلاب واختلف البعض في كيفية المناهضة، أحد الأطروحات التي طرحت وقتها على الإخوان هو الانسحاب من المشهد بهدوء وعدم التعرض والمواجهة لهذا الانقلاب لأنه بالطبع سيكون مواجهة للجيش على أية حال في النهاية بطبيعة أن ممثلهم وكبيرهم هو وزير الدفاع، كان هذا الطرح يستند استنادا كليا على أن الجيش من الداخل أصبح داخله جبهات بطبيعة أن الدكتور مرسي قد أقال بعض القيادات العسكرية التي لها ثقلها في الجيش حينما تسلم السلطة وعين السيسي كوزير للدفاع والذي أقدم على تصفية جهاز المخابرات الحربية من الذين يحتمل أن يعاونوا الرئيس أو أعدائه هو شخصيا ليفسح المجال لرجاله الأوفياء من المخابرات وذلك ضمن نية مسبقة إلى تنحية الرئيس عن الحكم، فأصبح بحكم الصراع التنافسي.

الانسحاب من المشهد ربما قد كان أخف وطأة من دخول صراع كهذا راح ضحيته ما يفوق الألف إنسان واعتقال ما يفوق الخمسين ألف والهجرة في المنافي

وُجد جبهتين أحدهما موجود بأمر الواقع وأرسى قواعده بالقوة على الأجهزة والأخر يزداد عدده يوما بعد الأخر من كثرة الإقالات للأجهزة، وهو ما ترتبت عليه النتائج التي بدت متأخرة في 2018 من ترشح قطبين عسكريين من الأجهزة الأمنية في مصر أحمد شفيق وسامي عنان، وما تلى ذلك من نتائج ترتب عليها اعتقال الثاني ووضع الأخر تحت الإقامة الجبرية وإقالة رئيس المخابرات ووزير الدفاع صدقي صبحي وهما شريكين أساسيين للسيسي في كل خطواته بداية من الإعداد للانقلاب حتى ما بعده.
   

إذا سيترتب على ذلك أن الصراع الذي دار في 2018 بين أجهزة الأمن ربما قد يكون في 2014 بين شخص لم يتمكن من أجنحة وأنظمة الجيش وهياكله وبين رئيس أركان سابق له رجاله في الداخل ويملك تاريخ في الجيش المصري متجذرا كسامي عنان ورفاقه الذين ساندوه حينما فكر في دخول اللعبة السياسية في 2018، إذ حال بين هذا السيناريو دخول الإسلاميين في صراع مع الانقلاب، حول الخيار المواجهة العسكرية العسكرية إلى مواجهة عسكرية مدنية جمع تحتها كل الأجهزة الأمنية بحجة المواجهة التي قد تطال أرواحهم وكراسيهم التي ورثوها كابرا عن كابر، هذا الطرح كان له واجهته لأكثر من سبب:

أولا: أن الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي كاملا لم يكن في ذهنه واقعيا وقوع انقلاب عسكري وذلك يؤخذ عليهم لوجود تحذيرات مسبقة وشواهد عملية منذ 2011 وحذر منها الشيخ حازم أبو اسماعيل وغيره من الكثير.

ثانيا: عدم وجود أي خطط فعليه لمواجهة الانقلابات وذلك استنادا للنقطة الأولى وهذا ما جعل ما بعد الانقلاب هو مجرد خطط نجربها قد تحدث نتائج في المواجهة وهذا ملموس بالطبع بعد خمس سنوات والحصاد صفر والأعباء في زيادة والخسارة واضحة للوطن والجميع.

إلا أن الأيادي المرتعشة والمهزوزة كانت تخشي أن تصارح الجمهور العريض بقرار مثل هذا، بطبيعة الحال فإن الانسحاب من المشهد ربما قد كان أخف وطأة من دخول صراع كهذا راح ضحيته ما يفوق الألف إنسان واعتقال ما يفوق الخمسين ألف والهجرة في المنافي ووضع المشروع الإسلامي على المحك.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

انتقدت منظمتان حقوقيتان بارزتان حالة "الإفلات من العقاب" التي يتمتع بها مقترفو مجزرتيْ رابعة والنهضة مع مرور خمس سنوات على "أكبر عمليات القتل الجماعي" بتاريخ مصر الحديث.

مع شروق شمس "يوم رابعة"، كان الرصاص المنهمر وجرافات العسكر وقنابل الغاز تملأ الأفق، وحين مالت الشمس لمغيبها كان الموت قد هيمن على الميدان، وكانت الدماء المسفوكة تمتزج بالدموع المنهمرة.

تعيد ذكرى مرور خمس سنوات على مذبحة رابعة طرح أسئلة مفتوحة حول أسباب عدم تنديد معظم الدول الأوروبية بشكل واضح بهذه الواقعة، التي قتل فيها وجرح الآلاف في يوم واحد.

الأكثر قراءة