العقوبات الأمريكية على إيران بمرآة عراقية!

يقول عجوز بغدادي عن الخلاف الأمريكي في العراق مؤخرا بعد أن فرضت العقوبات الأمريكية على إيران: "الحرامية إذا اختلفوا بيناتهم على حصة كل واحد منهم، يعني أبو المال بخيت"، هو يعتقد أن ثروات العراق تمت سرقتها بالاشتراك بين واشنطن وطهران وأنه حصل خلاف بينهما على توزيع السرقة فيما بينهم وسبب ذلك هو أن البلد صالح، هذه نظرة بسيطة لرجل مسن من عامة الناس.

 

لكن في الأوساط السياسية الأمر لا يتعلق بالصلاح وتقسيم الثروات وإنما مرتبط بالمكاسب والدعم في تشكيل الحكومة المقبلة حيث يحتدم الصراع بين أروقة العملية السياسية على تشكيل الكتلة الكبرى في البرلمان والتي ستقود البلد لأربع سنوات قادمة من خلال تشكيلها للحكومة وتشريع القوانين بما يرضي توجهاتها، حيث تسعى الكتل والأحزاب السياسية لكسب ود واشنطن من جهة وطهران من جهة أخرى وهناك من يوازن بين الاثنين، وهذا الأخير بنظر الساسة العراقيين هو من سيفوز فوزا عظيما!

 

وفِي ظل الوضع الراهن فإن قطبي حزب الدعوة "حيدر العبادي مسؤول المكتب السياسي" و “نوري المالكي الأمين العام للحزب" يقودان تحالفين لتشكيل أكبر تكتل نيابي داخل البرلمان، حيث يتربع العبادي على هرم المقربين من واشنطن، ويقابله رفيقه في الحزب على رأس الهرم الثاني ويتبعه المقربون من طهران، وفِي كلتا الحالتين فإن الحزب الذي يحكم البلاد منذ عام 2005 سيستمر بحكمه وهذا يحسب لقيادة الحزب القريب من نظام الخامنئي التي استطاعت تقديم خيارين للجميع وكلاهما يصبان في سلة واحدة.

 

رئيس الحكومة العراقية الحالي حيدر العبادي المرضي عنه من واشنطن وطهران، قرر بدءا مسك العصا من الوسط في قضية العقوبات الأمريكية على إيران، وهذا الموقف لم يعجب الإيرانيين

بعد الخلاف المعلن والتراشق بالتصريحات الإعلامية بين النظامين الأمريكي والإيراني، هبطت أسهم المقربين من طهران في مباحثات تشكيل الحكومة المقبلة، إذ فتح هذا الخلاف الأعين عليهم وصار الجميع يبحث عن شكل الحكومة المقبلة والجهات التي ستشكلها وما هي خلفيتها، حيث صار واضحا لدى جميع المهتمين بالشأن العراقي ناهيك عن المتخصصين، معرفة قرب كل حزب أو كتلة سياسية من دولة ما لا سيما أمريكا وإيران، ما يعني أن الجهة المنتصرة بصراع تشكيل الحكومة وجمع أكبر عدد من الفرقاء السياسيين ستثبت حجم تأثيرها ونفوذها في العراق الأمر الذي سيرفع أو يحد من أسهم تلك الدول، ومن سيثبت وجوده في العراق سيحجم الآخر في المنطقة بشكل عام.

 

رئيس الحكومة العراقية الحالي حيدر العبادي المرضي عنه من واشنطن وطهران، قرر بدءا مسك العصا من الوسط في قضية العقوبات الأمريكية على إيران، وهذا الموقف لم يعجب الإيرانيين ونفوذهم الواسع في العراق حيث لاقى موقف العبادي ردود فعل صاخبة من جهات وشخصيات مقربة من طهران، والأمر لم يقتصر على ردود الفعل المحلية فقط حيث هاجم ممثل المرشد الإيراني علي خامنئي في العراق مجتبى الحسيني من مدينة النجف بتصريح لافت رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي ووصفه بـ "المنهزم".

 

إيران والعراق بينهما تبادل تجاري كبير، والمعلن منه تقدر قيمته بـ 13 مليار دولار أمريكي، حيث يعتمد العراق بنسبة كبيرة على إيران باستيراد المواد الغذائية والإنشائية والسيارات والخضار، فيما تغيب أجهزة السيطرة النوعية عن إدخال تلك المواد بسبب هيمنة جهات متنفذة تتبع لأحزاب مقربة من طهران على المنافذ الحدودية، هذا بحسب مجلس محافظة ديالى الذي أكد أن تلك الجهات تهرب مئات الشاحنات المحملة بالبضائع يوميا عبر المنافذ الحدودية التي تربط المحافظة بإيران، ما يحرم ديالى من الاستفادة من إيرادات تلك المنافذ، وهذا يؤكد ضعف القوات الرسمية المشرفة على أمن الحدود.

 

أما أمن الحدود فيبدو أن هناك تفاهما كبيرا بين قائد حرس الحدود العراقي حامد الحسيني وطهران، إذ بعد تصريح لافت للحسيني بالدفاع عن إيران في حال تعرضها لأي خطر، عاد الحسيني بعد أيام ليوقع مع نظيره الإيراني على مذكرة تفاهم بشأن التبادل التجاري بين حدود البلدين، كاشفا عن زيارة مرتقبة لوزير الداخلية العراقي على طهران بوقت قريب لافتا إلى أن البلدين سيجريان مناورات بحرية الأيام القادمة، قبل أن يزور قائد حرس حدود العراق قبر الخميني ويضع إكليلا من الورد عليه.

 

وبعد جملة المواقف والتصريحات من الأحزاب السياسية والجهات الحكومية القريبة من طهران، عاد رئيس الوزراء حيدر العبادي للتراجع عن موقفه المحايد من العقوبات الأمريكية على إيران، رافضا ما عده تجويعا للشعب الإيراني، وأكد العبادي أن العراق لن يلتزم فيما يخص العقوبات سوى فيما يخص الدولار وأنه سيبقي على التبادل التجاري كما هو، ما يعني أن العراق لن يلتزم بالعقوبات الأمريكية وأنه سيكون ضمن دائرة من حذرهم ترمب، حيث حذر الرئيس الأمريكي العالم من عدم الالتزام بالعقوبات الاقتصادية على إيران، وعدم التزام العراق بوقف التبادل التجاري يعني أنه ضمن محور إيران وهذا لن يعجب الإدارة الأمريكية.

 

أمام واشنطن تحد حقيقي في تنفيذ عقوباتها تجاه إيران من الجانب العراقي، لأنها تتعامل مع دولة هشة، ضعيفة القرار، تحكمها دولة عميقة جذورها في طهران
 

مطرقة العقوبات الأمريكية لن تستثني أي دولة بحسب خارجيتها، وعلى لسان الناطقة باسم الخارجية "هيذر نويرت" فإن أي خرق للعقوبات الأمريكية على إيران سيعرض الدولة التي تقوم بذلك الخرق للعقوبات، وبحسب خبراء اقتصاديين فإن البنك الفيدرالي الأمريكي هو من يتحكم بالدولار في العراق ويحدد حجم التداول وكمية الصرف، وأن العراق يتعامل بالدولار بطريقة حسابية وليس ورقية وهذا ما تفرضه واشنطن لا ما تريده بغداد، ما يعني أنه لا إمكانية لتمرير الدولار صوب طهران وهذا ما يؤكد تصريح العبادي بالالتزام بهذا الشأن لكون قرار الالتزام بالتعامل بالدولار مع إيران ليس قرارا عراقيا بل هو قرار أمريكي بامتياز.

 

ويبدو أن واشنطن باشرت بالعقوبات فيما يخص الدولار قبل أشهر من الآن، حيث لم تستطع بغداد دفع ما بذمتها من ديون للكهرباء التي تشتريها من طهران ولعل السبب المادي وراء وقف بيع إيران الكهرباء للعراق بسعر مرتفع حيث أعلنت بعد ذلك السعودية استعدادها تجهيز العراق بالطاقة الكهربائية بربع السعر الإيراني، وهذا الحصار النقدي دفع بتجار إيرانيين بالتعاون مع جهات متنفذة في العراق لضخ عمل نقدية عراقية "مزورة" في السوق لاستبدالها بالدولار الأمريكي إضافة إلى ظهور دولار "مزور" أيضا في السوق العراقية يشاع أن مصدره إيران.

 

وفي ظل المعطيات الحالية، يصعب على الولايات المتحدة الأمريكية السيطرة على وقف التبادل التجاري بين العراق وإيران، لا سيما وأن واشنطن سلمت "الجمل بما حمل" في العراق بعد عام 2003 إلى إيران، ما مكنها من التغول في معظم مفاصل البلاد لا سيما التجاري منها، وهناك طرق عدة يمكن لطهران وبغداد سلوكها للتلاعب بهذه العقوبات، من بينها السياحة الدينية وغير الدينية، حيث يمنح موظفو دوائر حكومية عدة سفرات سياحية مدفوعة من الدولة على إيران "مجانا"، إضافة إلى إبرام حكومات محلية وشركات سياحية عقودا مع نظيراتها الإيرانية لتسيير رحلات بشكل يومي، وهذا ما يصعب السيطرة عليه لأنه يدخل بحرية الاعتقاد والعبادة.

 

ما يعني أن أمام واشنطن تحدياً حقيقيّاً في تنفيذ عقوباتها تجاه إيران من الجانب العراقي، لأنها تتعامل مع دولة هشة، ضعيفة القرار، تحكمها دولة عميقة جذورها في طهران، في الوقت ذاته لا يمكن للإدارة الأمريكية إعلان عقوبات على العراق لأن ذلك يضعها في موقف لا تحسد عليه.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة