إدلب.. كأنها تنتظر يوم الحساب!

أذكر تفاصيل آخر محاولة للكتابة بجزئياتها المبسطة والمتشعبة، طاولة تطل على نافذة عريضة ومدينة شابة تمتد إلى اللانهاية. يصل مدقق النظر بها إلى طعنات وضعتها الحرب فوق جسدها عندما انتهكتها رؤوس القذائف ودنست وسامة إطلالتها خلال حرب مضى عليها ما يقارب نصف قرن وعقدين من الزمن، تركت تلك الحرب فوق شوارعها وأزقة طرقاتها ندبات وجراح غائرة. دون النافذة والمدينة ينتشر فوق المنضدة غبار وبعض رؤوس لفافات التبغ المنتهية. كدْس من الأوراق المترامية هنا وهناك أرهقتها كلمة تكررت على جميع الصفحات "لاجئ".

لاجئ خارج أسوار الوطن، تلك الكلمة التي أردفت بداية السطر أثقلت كاهلي وجعلتني مع القلم في خصام مستمر. أرفقت معها حمل ثقيل والتزامات لا يقدر ذو عقل أن يحيد ويعيش منعزلا عنها. من نتائج (لاجئ) كلمة أخرى (غربة) وبين تزاوج لاجئ وغربة يولد الشوق. ذلك الشوق المسرطن للحاضر والمؤثر على المستقبل والموقظ لخلايا مسئولة عن حفظ الصور واللحظات الجميلة في العقل الباطن. هذا الشوق مجرم بحق توازن جسد شاب وعابث بالبنية البيولوجية والسيسيولوجية، المدمر للأنا الأعلى والأنا الأسفل. تتثاقل السطور على غير عادتها، تمتلئ ببطء شديد تكاد لا تعرف الحروف بعضها البعض ولا الكلمات هي الكلمات. كل شيء ينتفض، يتقوض وينكسر عندما أحبو قليلا بالكتابة اتجاه وطني وأكثر دقة مسقط رأسي.

  
مسقط رأسي صغير بحجم قلب وكبير بحجم كرة أرضية. يلوك سيرته كل ذي شأن سياسي كان أم عسكري وفي الحالتين بشكل خطر. متخمة اليوم مدينتي القريبة من الحدود التركية بمن يسميهم العالم بالجماعات الإرهابية أو الإسلامية المتشددة متناسيا عدد المدنيين الضخم إبان عمليات مقايضة البشر بين الجنوب السوري وشماله أو العكس. سؤال ثقيل يشغل البشر هناك ماذا ينتظرنا؟ حرب ضروس لا تبقي ولا تذر أم مصالحة وطنية بثوب منتصر يفرض أحكامه وشروطه على من صرخ في وقت سابق أن الحياة مرة ونبغاها حلوة لمرة.
   

المتطرفون في إدلب ليسوا التشكيلات المسلحة المنتشرة وإنما الخلايا النائمة التي تصطاد الأبرياء بين الحين والآخر وتنكل بجثثهم

تكهنات كثيرة تلف مستقبل المدينة قسم يعول خيرا على الضامن التركي لخفض التصعيد وفقا لاتفاق آستانة وقسم يرى أن ما ستحمله الأيام القادمة متخم بالغازات السامة والقنابل المتفجرة وغارات طيران لا تكل ولا تمل. فالفريق الأول متمسك بنظريته استنادا لانتشار نقاط المراقبة التركية في مناطق التماس مع حكومة دمشق سواء بريف حماة أو ريفي اللاذقية وحلب. بالإضافة لسيطرة الأتراك على قرار معظم التشكيلات المسلحة في المنطقة واستمالتها لمعظم الشباب للانضمام إلى درع الفرات المعني بكسر شوكة الأكراد الذين تتخوف منهم تركيا. أما الفريق الآخر يخشى من كلمات وزير الخارجية الأمريكية السابق جون كيري الذي أجاب على سؤال رياض نعسان أغا: ادلب إلى أين؟ قائلا "إلى الإبادة، إن لم يرحل هؤلاء المتطرفون، لقد اتفق العالم على تجميعهم في ادلب".
 
المتطرفون بمفهوم كيري كل من أطلق لحيته ونادى الله أكبر، لكن هؤلاء ضيقوا على أهلهم حتى أتخموهم ذل وقهرا وفي كثير من الأحيان تشريدا. المتطرفون في إدلب ليسوا التشكيلات المسلحة المنتشرة وإنما الخلايا النائمة التي تصطاد الأبرياء بين الحين والآخر وتنكل بجثثهم. المتطرفون في ادلب اليوم من امتهن السرقة والخطف لقاء فدية ومن أشهر السلاح لنوايا وأهداف شخصية. المتطرفون من اصطفاهم الله وجعلهم في الأرض يقومون الاعوجاج حسب زعمهم.

لكن بين الأمل المتجسد بالضامن التركي والألم المستند على احتمالية اجتياح المدينة، تخرج في الوقت الحالي صرخات ونداءات لتشكيل ما يسمى "الجيش الوطني في الشمال" برعاية تركية مستترة وإن كانت واضحة لمتابع الأحداث. تركيا اليوم في ورطة اقتصادية تهدد كيانها بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن حصار اقتصادي أرهق الدولة العثمانية ليخرج سلطانها مستنجدا بالشعب والله لكن هل تنفع مناجاته؟ أم ينأى بذاته عن القضية السورية ويكتفي بما يتربص بدولته؟

المبصر يستطيع رؤية تأثير الحصار الاقتصادي الأمريكي على تركيا ومجريات الأحداث بمدينة ادلب، حيث تشكل تركيا في الشمال السوري قوة ضاربة تنطوي تحت أجنحتها غالبية الفصائل المقاتلة هناك. واستنادا لكلام كيري المتمثل بالقضاء على المتطرفين، ستكون أهداف الجيش الوطني المبتغى تشكيله القضاء على تشكيلات النصرة ومن يدور في فلكها طبعا عندما لا يجعلوا المصالحة أمام أعينهم. الأيام القادمة قد تجمع الجيش الوطني مع جيش دمشق لشن حملة تطول جميع المتشددين ويسقط ضحيتها فقط المدنيين.

من المتوقع انسحاب القوات التركية من نقاط المراقبة على عجل إبان دخول الشرطة العسكرية الروسية، لأن تاريخ صلاحية اتفاق آستانة يوشك على الانتهاء وما تحويه تركيا اليوم من مشاكل اقتصادية بسبب الحصار الأمريكي
 

خوف أصحاب السلطة والقوة في ادلب من السيناريو المذكور جعلهم يشنون حملة اعتقالات واسعة النطاق على من أسموهم "عرابي المصالحات" الذين يسعون لإجراء اتفاقات مشابهة لما حصل في ريفي دمشق ودرعا. الأمر الذي استدعى رد حازم من حكومة الجنوب السوري من خلال شن غارات على عدة قرى بالمدينة راح ضحيتها أطفال ونساء ثم تلاها بوقت قصير إغلاق معبر قلعة المضيق الواقع في ريف حماة والواصل بين ريفي ادلب وحلب مع باقي الأراضي السورية في وجه الطلبة والراغبين بالخروج، بالتوازي مع انتشار صور مكثفة لأرتال عسكرية تناقلتها صفحات التواصل الاجتماعي على أنها مخصصة لعملية إدلب.

  

ناشطي المعارضة فندوا تلك الصور ونسبوها لتواريخ سابقة وأماكن مختلفة وبرروا استخدامها في الوقت الحالي كجزء من الحرب النفسية. كما انتشرت أخبار عن رغبة حكومة دمشق بفتح طريق حلب دمشق عبر بوابة مدينة "مورك" أمام المدنيين في حال وقعت الحرب. ومن المتوقع انسحاب القوات التركية من نقاط المراقبة على عجل إبان دخول الشرطة العسكرية الروسية، لأن تاريخ صلاحية اتفاق آستانة يوشك على الانتهاء وما تحويه تركيا اليوم من مشاكل اقتصادية بسبب الحصار الأمريكي سيفتح الباب الروسي بسرعة للتقارب وتبادل وجهات النظر والسعي لحل الخلافات المتمثلة بالقضية السورية. 

ويزيد من حدة الموقف ذكرى مجزرة حي المشارقة بحلب التي وقعت في أول أيام عيد الأضحى خلال أحداث الثمانينات ضد الإخوان المسلمين وراح ضحيتها العشرات من المدنيين. لكن هل يعيد التاريخ ذاته بمكان آخر ويوم مشابه؟ تبقى الإجابة برسم الأيام القادمة وبأيدي مقسمي قالب الحلوى السوري.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

شهدت العاصمة الأميركية الأحد مظاهرة حاشدة شارك فيها آلاف المناهضين للعنصرية، وأخرى مضادة لها شارك فيها عشرات اليمينيين المتطرفين، في الذكرى الأولى لحادث مدينة شارلوتسفيل.

الأكثر قراءة