أيهما أكثر اعتدالا.. الإسلام المكي أم المدني؟!

الاعتدال والتسامح، ربما أكثر كلمتين تعرفان نقاشا حادّاً، داخل المجال الإسلامي والعالمي الآن، خاصة مع تزاد تردي أوضاع الأمة العربية، والتي تُعتبَر حاضنة للدين الإسلامي، فكل اللّقاءات تقريباً، سواءٌ إعلامية، أو ثقافية، إلاّ وتضع في مقدمة أعمالها هذان المفهومان، الإسلام المعتدل المتسامح.. لماذا يا ترى كل هذا التكالب على الدين الإسلامي الآن؟ هل فعلا هذا الدين يقف عائقا وحائلا أمام الحداثة كما يحاولوا أن يصوّروه، أم تر أن للقضية وجه آخر، حتى إنّه ليُثير استغرابك الكثير ممن يودون الانتساب للتيّار الحداثي، لا بد وأن يجعل نقد الشريعة الإسلامية من أولى أولوياته، حتى ربما أنه صار عنده من المتلازمات، أي الحداثة تعني الطعن في التراث الإسلامي أوّلا، والدين الإسلامي فقط لا غير!

 
أثناء انعقاد مهرجا "ثويزا" الثقافي بطنجة، لفت انتباهي أمر غريب، كنت أعتقد أن البرنامج سيتطرق لقضايا حادة، التي عرفها المجتمع المغربي مؤخرا، وخاصة القضايا الاجتماعية والتي جاء على لسان الخطاب الملكي أنها لم تعرف التقدم اللازم بعد، ومما لا شك فيه أن المقصود بالدرجة الأولى قضية الريف وكذلك قضية جرادة، غير أنني فوجئت بترك كل ذلك جانبا، فإذا بكل متدخل يصب جام غضبه ونقده على التراث الإسلامي، مع أن شعار المهرجان وعناوين الكلمات المقرر إلقاؤها، ليس فيها شىء يوحي بتناول هذا الموضوع بتاتا!

 
ليس غرضي التعرض لهري "المثقفين" الذين استدعوا للمهرجان، وهذه عادته في كل مرة يُنظم فيها، فأين ما وجد معتوه إلا واستدعوه، المهم أن يمتلك جرأة الطعن في المقدسات، بعضهم يقول القرآن الذي بين المصحف ليس قرآنا، وما هو القرآن يا حضرة المفكر إذن؟ ليجيبك بأنه ذاك المعنى أو تلك الروح التي أدركها بعض المتصوفين، أمثال بن عربي وجلال الدين الرومي؟ "ياعني ع الكلام" ما هاذه الروحانية! ألم تكن تحدثنا قبل قليل عن العقل وثقافة التنوير، أم تراك تهرف بما لا تعرف، وفجأة يحتج بآيات من ذاك الذي سماه أنه قرآنًا سياسيًا محضًا، على دخول يهودي الجنة، بسبب أنه عمل الصالحات!
   

القرآن المكي، والذي يعرف بأنه ما نزل قبل الهجرة، كانت أهم قضياه هي التركيز على التوحيد، أي أنه لم تك فيه الشرائع والأحكام، بل كان يحاول أن يثبت قضية التوحيد

لا داعي للتعرض لكثير من الأمور التي يثيرنها، والتي ليست وليدة اللحظة، بل هم ورثوها عن أسلافهم، كل همهم هو حفظها وترديدها في كل مناسبة، بغية الاقتيات عليها، فهي تذر الآن أموالاً باهظة يصعب جنيها من عمل غير ذا. لكن ربما هناك نقطة مهمة يجب الوقوف عندها، وهو أن بعضهم يحاول التفريق بين القرآن المدني والقرآن المكي، باعتبار أن هذا الأخير أكثر تسامحا من الأول، ربما كثيرون سيثير استفزازهم السؤال التالي كيف ذلك؟ وهل هناك فرق بينهما؟ أليس كل القرآن واحد؟

تبدوا أن هذه الدعوة أكثر حبكة من القضايا المثارة عادة، وكأنها ربما تتخذ صبغة علمية، غير أنه للأسف جهل هؤلاء ما يسمون بالمثقفين، حتى بأبسط أبجديات الشريعة الإسلامية كثيرا ما يجعلهم محط سخرية من قِبل عقلاء العامة، قبل العلماء، وهذا ما حصل للذي قال بأن ما يوجد بين دفتي المصحف ليس قرآنا، وبعض لحظات انطلق يستشهد منه، فإذا بشقراء جميلة توجه له السؤال التالي _فنزل عليه مثل عاصفة لم يكن يتوقعها من هاذه اللطيفة_ وهو كيف يا أستاذ تقول أن هذا ليس قرآنا وأنت تستشهد منه! هل هناك فرق بين قرآن وقرآن؟

فعلا يوجد فرق بين القرآن المكي والقرآن المدني، لكن ليس كما يحاول أن يصوره أو يتصوره هؤلاء السطحيون، فالقرآن المكي، والذي يعرف بأنه ما نزل قبل الهجرة، كانت أهم قضياه هي التركيز على التوحيد، أي أنه لم تك فيه الشرائع والأحكام، بل كان يحاول أن يثبت قضية التوحيد، وذلك لصعوبة أن ينتقل هؤلاء الذين لامس الشرك شغاف قلوبهم وصار من أعرافهم وعاداتهم، بل ودينا يعتقدنه ونهجا يسلكونه في الحياة مع أنهم أميون لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، فكانت مسألة إقناعهم بالتوحيد أولا صعبة، إذ هذه القضية وحدها استمر القرآن ينزل لإثباتها ثلاثة عشر عاما.

كما أنه من مميزات هاذه الفترة، أن الصحابة الذين تربوا فيها كانوا هم المؤهلين لقيادة الأمة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، ذلك لأنهم تربوا على يده باعتبار أنهم كانوا قلة، فكانوا لا يفارقونه صلى الله عليه وسلم في حله وترحاله، وكذلك كان يسهل عليه الاجتماع بهم ومحادثتهم، أما فترة المدينة فقد كان المسلمون كثرا، وبالتالي هاذه المرحة يسميها الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله بالمرحلة المنبرية، حيث كان صلى الله عليه وسلم لا يخاطبهم إلا من خلال المنبر، وربما الذين فتنوا في دينهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم من هاذه الفئة الثانية.

أما المرحلة المدنية كما هو معروف، فإنها أولت اهتماما أكثر للتشريعات والأحكام، التي كانت تنظم الحياة الاجتماعية للمسلمين، باعتبار أن التوحيد قد ثبت، كما أنه كانت قد ازدادت شوكة المسلمين منعة، وبالتالي فالدعوة كان لها رجال يحمونها، وفي هذه المرحلة كذلك نزلت الآية التي تؤذن للمسلمين بالقتال، أو بالدفاع عن النفس…أو.. وهذا هو ما يقصده أصحاب الإسلام المكي المتسامح بتعبيرهم، أي محاولة التخلص من مفهوم الجهاد، حتى وإن اقتضى ذلك نسف كل الدين، فهم لا يعرفون أصلا ما هو مفهوم الدين بالأساس، ولا أين تنتهي حدوده.

الدين هو الذي يضع الأسس للقيم الإنسانية، وبالتالي فهو يكشف زيف ما يتسترون خلفه من مفهوم نشر القيم والديموقراطية
 

غير أنه ولا أدري هل هو من جهلهم أم تجاهلهم، أنه بإلغاء المرحة المدنية، نكون قد ألغينا الدين كله، فجميع التشريعات تقريبا نزلت في المرحلة المدنية، وبالتالي فالدعوة إلى إلغاء المرحلة المدنية، فهي مع سفاهتها فإنها تتضمن دوعة ماكرة لبتر الجزء الأهم في الشريعة الإسلامية، لكن هل فعلا إذا أردنا معالجة" مشكلة الإرهاب" لا بد من التطرق لمرحلة الإذن بالجهاد؟ وهل فعلا لا يكون الإسلام معتدلا ومتسامحا إلا إذا ألغينا منه مفهوم الجهاد؟

لا شك أن بعض الحركات التي توظف هذا المفهوم خطأ، قد أساءت للدين وللمتدينين في شتى أنحاء العالم، لكن هل ذلك الخطأ تتحمل مسؤوليته هي أم الدين، وهل يشفع لهم أنهم ينتسبون للإسلام أن يُحارَب فقط لأنهم ينتسبون له؟ كثير من الإشكالات للأسف بدل أن تناقش يتم التغاضي عنها، من أجل شرعنة محاربة الدين، وذلك كما سلفت ليس لأنه يقف حائلا دون تحقيق الحداثة، ذلك لأنه هو الذي يوقظ جمرة المقاومة في نفوس العرب والمسلمين عامة تجاه هاذه الهجمة الشرسة التي يشهدها العالم العربي من قبل الإمبرياليين، فبدون الدين سيسهل عليهم أخذ كل شيء، تحت مسمى ما.

 

غير أنه وما زال الدين ساري المفعول في الوطن العربي، فإن وجودهم وهجمتهم على العالم العربي ونهب خيراته، سيظل جريمة يحاسبون عليها هم ومن تواطأ معهم من أبنائه، طال الزمن أو قصر ومهما كان الدافع لفعل ذلك، كما أن الدين هو الذي يضع الأسس للقيم الإنسانية، وبالتالي فهو يكشف زيف ما يتسترون خلفه من مفهوم نشر القيم والديموقراطية.

هناك آية عظيمة تقول"لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ" يفسر العلماء كلمة ذكركم بأنها تعني شرفكم، فهذا الكتاب هو الذي جعل من العربي البدوي سيّدًا، وهذا هو الذي جعل من قوم مجهولين في الصحراء سادة وأمراء، ومهما حاولوا ابتغاء العزة والشرف في غيره، فإن مآلهم لا محالة إلى ما كانوا عليه، وبالتالي فإنه لا يمكن استغلالهم إلا إذا رجعوا كما كانوا. هذه هي القصة باختصار، فتأملوا!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

التحق الشيخ ناصر العمر بقائمة طويلة من المعتقلين، في إطار حملة مستمرة تشنها السلطات في السعودية على الناشطين السياسيين والحقوقيين والدعاة. ويأتي هذا التطور وسط انتقادات دولية للرياض بشأن المعتقلين.

الأكثر قراءة