عندما يصبح للمرأة الحق في التحرش

لقد بات التحرش مفهوما لصيقا بالمجتمعات المتخلفة، رغم أننا نشهده في المجتمعات المتقدمة أيضا، ربما تختلف الطريقة التي يمارس بها هنا وهناك، لكن الواضح أن التحرش في أبشع صوره وأسمى سلبياته يعشش لدى المجتمعات المتخلفة، ولعل وجود هذه الظاهرة يملك من الأسباب ما يكفي لذلك، فالجهل والكبث وكل السلبيات تجتمع لتصنع لنا مواطنا لا يستطيع رد دافع التحرش عنه كلما رأى فتاة أو امرأة تمارس حريتها في المظهر، فلا يتوانى عن ممارسة تحرشه بالطريقة التي تناسبه، وفي الجهة المقابلة نجد أن هناك من النساء والفتيات من ينظرن إلى التحرش على أنه طاقة تسعفهن في الشعور بالأنوثة وبأنهن جميلات، والجميلات هن العاقلات.

 

عندما نتحدث عن التحرش وسط مجتمع ذكوري، فإن الحال يقتضي أن هذا الأمر يصبح واجبا على الرجل فقط، والمرأة يجب أن تظل خاضعة له، لأنها ولدت وسط مجتمع لا يعترف بقدرة المرأة على التحرش، أو أنه مجتمع لا يعترف بمكانة المرأة أصلا، فكان لزاما عليها أن تساير هذا الطرح، وتتحكم في رغباتها بكل ما أوتيت من قمع، حتى لا تنهار أمام شاب وسيم مفتول العضلات، لأن ذلك لا يناسبها ومن العيب أن تتجرأ الفتاة وتمارس التحرش لكي تعتدل الكفة، ويصبح التحرش متبادلا بينهما، في المجتمعات الذكورية تمنع هذه المعادلة، ويجب على الفتاة أن تقمع رغباتها أينما حلت وارتحلت، وتدع التحرش ذكوريا، وذلك من أجل أن تستشعر المرأة أنوثتها وكبريائها قدر الإمكان.

 

في المجتمع الذكوري تصبح المرأة معرضة للتحرش أكثر من أي مجتمع آخر، لأن هذه المجتمعات لا تحترم المرأة كما ينبغي، بل إنهم ينظرون إليها على أنها جسد خاص بالجنس، ومن كثرة ما ترسخت هذه الفكرة في أذهان أفراد المجتمع الذكوري، كان من الطبيعي أن نجد العديد من الإناث في هذا المجتمع يستمتعن بالتحرش وخصوصا اللفظي، لأنه يشعرهن بأنهن جميلات، وكان من الطبيعي أيضا أن تزداد نسب التحرش في هذه المجتمعات، ذلك أن التصدي لهذه الظاهرة يجب أن ينطلق لدى الإناث، وبما أن بعضهن يستمتع بهذه الظاهرة فكان حريا أن يمارسها الذكور بكل شجاعة، واللوم موجه لكليهما.

 

عندما تمارس المرأة حريتها، وتظهر بالشكل الذي يحلو لها، يصفونها بأنها السبب في التحرش، لأنها أثارت إعجابهم، وهم لا يملكون إلا أن يتحرشوا بها إرضاء لغريزة التحرش

تصبح المرأة في المجتمع الذكوري ناقصة عقل، وهي بدورها تتقبل ذلك، وقلما نجد منهن من تتصدى لهذه الفكرة، وكما نجد منهن من يبرهن على أنهن أذكى من الرجل بشكل عملي وليس شفويا فقط، ولطالما كانت المرأة إنسانا مثلها مثل الرجل، لكن في المجتمعات الذكورية يصبح للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا قد يبدو فيه إجحاف في حق المرأة، وتبقى الأسباب التي أوجدت هذه المعادلة غامضة، لكن المرأة ليست بذلك النقص الذي يعتقدونه، ما دامت قادرة على التحكم في زمام أمورها، وأن تجعل الرجل خاضعا لمطالبها، ولكنها تصبح ناقصة في الحالة التي تجد أن من واجبها إيلاء الطاعة والخضوع للرجل.

 

عندما تمارس المرأة حريتها، وتظهر بالشكل الذي يحلو لها، يصفونها بأنها السبب في التحرش، لأنها أثارت إعجابهم، وهم لا يملكون إلا أن يتحرشوا بها إرضاء لغريزة التحرش التي أصبحت جزء من أفراد المجتمع الذكوري، هؤلاء الأفراد بناء على هذا الطرح لا يستطيعون التحكم في غرائزهم، وبالتالي يسيرون مع الأهواء، فيضطرون إلى ممارسة تحرشهم كما يحلو لهم، على اعتبار أنهم لا يملكون غير ذلك أمام فتاة جميلة، رغم أن المسكينة لم تكن تشغل بالها أنها هي السبب فيما هم عليه، والحقيقة أنها مارست حريتها فقط، ولأنهم نشأوا وسط مجتمع ذكوري يبرر كل الأشياء لصالح الرجل، كان حريا أن تكون المرأة هي السبب في التحرش.

 

أتأسف على عقلية الفتيات اللواتي يجدن ضالتهن أمام المتحرشين، باعتبار أن ذلك يسعف ذلك النقص الذي يشعرن به، ولعل هذا النوع من الفتيات هن السبب في ارتفاع نسبة التحرش، لأنهن لا يستطيعن الاستغناء عما يضفي قيمة عليهن، وهكذا لا يملكن من الجرأة ما يكفي للتنديد بتلك الظاهرة التي تمسهن في كرامتهن، وفي المقابل نرفع القبعة للنساء اللواتي تجرأن وواجهن المتحرشين، ولم يسمحن لهم بالنيل من كرامتهن وذلك عن طريق قمعهم والوقوف في وجوههم، هؤلاء النساء هن من يجب أن نعترف بأنوثتهن، لأن الأنوثة لا تتجلى فقط في الاستسلام والاستمتاع، بل إنها المواجهة والجرأة في أبرز تجلياتها.

 

باتت النساء يلبسن من الأزياء ما يمكن أن يظهر مفاتهن، وبالتالي يحملنهن المسؤولية، أما الرجال فلا يستطيعون تحمل المسؤولية التي تنبعث منهم، باعتبارهم لا يقدرون على مصارحة أنفسهم بذلك الكبث الذي يعشش فيهم
 

ليس هناك ما يبرر جريمة التحرش، ويجب معاقبة كل من يمارسها، لأنها تتنافى مع الأخلاق. في المجتمعات الذكورية يلصقون هذه التهمة بالنساء، وذلك بسبب كونهن خرجن متبرجات، وينظرون إليهن على أنهن فتنة، ومن ثم لا يستطيع الرجل صد نفسه عن مشاهدة جمالهن، لو كان يكتفي بذلك فقط لما كان الحال على ما هي عليه، بل إنه يمارس نصيبه من التحرش بكل ما تسمح له الظروف بذلك، بواسطة العيون، والكلمات وأحيانا تكون كلمات جارحة في حال مارست الفتاة كبريائها وعدم اكتراثها، وبقدر ما تتكبر عن المتحرش يشعر بالإهانة، ولعل ذلك يزيده حدة في إرسال المزيد من الكلمات النابية، والتي لا تملك الفتاة حيالها سوى الصمت في حال لم تقدر على المواجهة، وإذا استطاعت المواجهة، فهي قد تصبح معرضة للعنف، ولن تكون بريئة في نظرهم مهما حصل، لا لشيء إلا لأنها مارست حريتها في اللباس.

 

لا شك أن المرأة التي تعترف بأنها فتنة يمكن وصفها بأنها ناقصة عقل، لأنها ترضى لنفسها مكانة أقل من كونها إنسانا، لأنها تعترف بشكل ضمني أنها السبب في التحرش، وذلك عندما تلبس ما يحلو لها، ولأنها تتقبل فكرة أنها فتنة، تضطر إلى ارتداء لباس يغطيها بالكامل حتى لا تظهر مفاتنها، وذلك من أجل أن تزيح عن نفسها رداء تهمة التحرش التي يلصقونه بها في حال لبست ما يحلو لها، لكن المصيبة أنها تتعرض للتحرش في جميع الأحوال، وبجميع الألبسة، سواء غطت مفاتنها بالكامل أو أظهرتها، تكون معرضة للتحرش، لأن المشكل مرتبط بالعقليات التي اعتادت العيش في ظل قمع الرغبات، فكان حريا أن تنبعث هذه الرغبات في شكل هذا التحرش الذي لا يغذي هذه الرغبات ولا يلبيها، بل إنه يزيدها بشاعة، وبالتالي فالإشكال ليس مرتبط بجعل المرأة سببا في التحرش، ولا باعتراف الرجل بمدى كبثه وعدم قدرته على التحكم في أهوائه، هي مسألة عقليات مريضة تعشش في المجتمع.

 

لقد بات التحرش جزء من طبيعة الأفراد في مجتمعاتنا، ولعله يزداد بشكل كثيف، وهذا لا يليق بمجتمع يضع نفسه في خانة المحافظين، وفي المقابل يربطونه بهذا التطور والتقدم الذي طال مجال الموضة، حيث باتت النساء يلبسن من الأزياء ما يمكن أن يظهر مفاتهن، وبالتالي يحملنهن المسؤولية، أما الرجال فلا يستطيعون تحمل المسؤولية التي تنبعث منهم، باعتبارهم لا يقدرون على مصارحة أنفسهم بذلك الكبث الذي يعشش فيهم، ولقد جعلتهم مجموعة من الشروط يقمعون رغباتهم بشكل تجاوز الحد، حتى باتوا يمارسون التحرش بشكل طبيعي، والذي يفرغون فيه مكبوتاتهم قدر الإمكان، ولقد امتلأوا بالمكبوتات حتى صارت تقودهم بدون إذن منهم، ويتصرفون وفقا لغرائزهم، ويجدون في التحرش ملاذا لأهوائهم.



حول هذه القصة

يقول الكاتب مارك ألموند إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يخاطر بإنشاء محور “غير مقبول” بين تركيا وإيران والصين وروسيا، وسط حربه التجارية التي يشنها في كل الاتجهات في وقت واحد.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة