السودان.. وانتكاسة الطبقة الحاكمة

blogs عمر البشير

في نهاية ثمانينيات القرن الماضي كان الوضع في السودان قد وصل إلى حالة من الفوضى العارمة تحت ظل حكومة السيد الصادق المهدي، وحدثت أزمات وغلاء شديد في الأسعار وزحف من القوات المتمردة في جنوب البلاد نحو العمق تهديداً على أمن الدولة. في خضم تلك الظروف المتردية حدث انقلاب عسكري تحت مسمى ثورة الإنقاذ الوطني في يونيو عام 1989م بتدبير سياسي من الإسلاميين بقيادة الدكتور حسن الترابي وتولى القيادة العسكرية كقائد لمجلس الثورة ورئيساً للدولة الضابط بالجيش عمر حسن أحمد البشير.

 

وها هي حكومة الإنقاذ تقاربُ إكمالَ عامها الثلاثين في حكمها للسودان، شاختْ بمقاييس أعمار الحكومات وهرِمتْ وما زالت تعتلي العرش وتتمسكُ بالسلطة. على مدى هذه العقود الثلاثة لحُكمها حدثت تحولات جذرية في مسيرةِ وآليّات حُكمها للبلاد. فمِن النهج القويم الذي انتهجوه في بواكير حُكمِهم والذي لا يستطيعُ أحدٌ نُكرانه إلى وضعٍ كارثي جداً لا يستطيع أحدٌ نفيَه في الوقت الراهن. من السياسات الممتازة التي بدأوا بها إلى ما يُمكِنُ ان تُسميه ضرباً من ضروب اللامبالاة إزاء الأزمات المتفاقمة والمواطن الذي ليس لهُ فيها حيلة.

تلك السياسات الجيدة والتي تمثلت في الإصلاحات العامة وإعادة الهيكلة الشاملة للدولة، ومبادرات و ابتكارات كثيرة كسياسة التحرير الاقتصادي (تحرير الصادر وتقديم الدعم اللازم له)،وفتح فرص المشاركة الشعبية في العمل العام والبرامج التنموية المجتمعية والصحية كالتأمين الصحي وثورة التعليم العالي التي تمخضت عنها 22جامعة حكومية ومراكز بحوث ومبادرات محو الأمية وثورة الاتصالات والإصلاحات القانونية والتشريعية والضريبية والإصلاح الاقتصادي للوضع المُتردي الذي ورِثوه في عام 1989م عبر خفض معدلات التضخم تدريجياً من 160في المئة في عام 1996م إلى 7مئوية في بداية عام 2001م (1)وتثبيت واستقرار سعر الصرف وارتفاع حجم الصادرات إلى أن بلغت 784.8 مليون دولار في النصف الأول من عام 1999م بينما سجلت الإيرادات 1354.1مليون دولار(1)عقب تصدير البترول السوداني من بعد استخراجه والذي يعتبر إنجازاً ويُضاف لرصيد الحكومة، وبلغ 600 ألف برميل بنهاية العام2009ووصلت عائداته 70مليون دولار يومياً في 2008م (2)، وفي أكتوبر 1999م اختفى العجز في الميزان التجاري تماماً وحقق فائضاً قدره 5 مليون دولار(1).

هناك حالة من السخط والقنط من معظم فئات المجتمع بلغت ذروتها في الوقت الراهن بعد الأزمة الماحِقة التي تمر بها البلاد ومستمرةٌ في ازديادها، واستشراء الفساد بصورة مُروِّعة في كُل مؤسسات الدولة

ومما يُحسبُ أيضاً لصالح حكومة الإنقاذ خصخصة المرافق وتطوير الجهاز المصرفي مع فتح عدد مقدّر من البنوك وإنشاء أكبر مدينة صناعية في تاريخ السودان (مدينة جياد الصناعية) ومجمع اليرموك الصناعي للتصنيع الحربي، وتدعيم البنى التحتية من كباري وجسور وطرق وخزانات وسدود-سد مروي على سبيل المثال-، خاصةً في الولايات والأقاليم، والتخطيط العمراني وإنشاء المخططات السكنية.. وإنجازات أخرى كثيرة كان جلها مركزاً فيما يُقارب النصف الأول من فترة الحكم.

فمن ذلك الولاء الصادق لها والاحترام والتبجيل الوقوريْن اللذان كانا يكِناهُما لها الشعب في أوائل سنوات الحكم مع الشعور بصدقهم والرغبة الجادة نحو الاعمار والتنمية والنهوض بالبلاد- والشاهد على ذلك إنجازاتهم التي ذكرتها-رويداً رويداً إلى حالة من السخط والقنط من معظم فئات المجتمع بلغت ذروتها في الوقت الراهن بعد الأزمة الماحِقة التي تمر بها البلاد ومستمرةٌ في ازديادها، واستشراء الفساد بصورة مُروِّعة في كُل مؤسسات الدولة والخطوات المُتخاذِلة التي اتخذتها الحكومة في حل مشاكل التمرد والحركات المسلحة في إقليم دارفور وجرائم الحرب والإبادات والتطهيرات العرقية والانتهاكات فيه، والنزاعات والشقاقات بين القبائل-كقبائل الرزيقات والمسيرية-، ناهيكَ عن معضلة جنوب السودان والتي انتهت بانفصاله كواحدة من أكبر الخسارات الفادحة، خصماً على الدولة والتي أثرت سلباً وجليّاً على اقتصاد البلاد تحديداً المنتجات النفطية التي كانت من ركائز الاقتصاد السوداني ودعاماته الأساسية.

كدولةٍ داخلُ الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 2631 دولار سنويا (3) وتُعاني غلاءاً طاحِناً جداً في الأسعار يُقابِلهُ دخلٌ واهٍ للفرد بصورة عامة، وحالةَ تضخمٍ أقرب إلى التضخم الجامح(Hyper inflation)الذي يُعد من مؤشرات انهيار الدول، وارتفاع سعر الصرف بوتيرة متسارعة لا تملِك الدولة رؤيةً واضحة للحد منه، كدولةٍ تعاني الانهيار المؤسسي على كافة الأصعِدة مؤسساتٍ تعليمية ومستشفيات وجهات إدارية، وبنى تحتية، وأزمات في الوقود والخبز والمواصلات وحالاتُ فقرٍ مدقع.. والمقامُ لا يسعُ لذكرِ النكايات والمصائب لكثرتها.

يا ترى هل بعد تلك البدايات العظيمة ثم إلى هذه النهايات المقيتة يكون الأمرُ عادياً؟ وتغيير النهج مائةً وثمانين درجةً شيئاً طبيعياً؟ وما تفسير هذه الانتكاسة العلقميّة المُفضية إلى هذا الوضع المتأزم والمُزري؟ وهل جاز لنا ان نقول: حكومة الإنقاذ.. كالتي نقضت غزلها؟! على كُلٍ فاللهُ المُستعان وعليه التُكلان ولا حول ولا قوة إلا به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:
(1)التحولات الكبرى في السودان(2000-1989م)الصادر عن مركز دراسات المستقبل.
(2)مادة الدراسات السودانية -د.معاذ عبد الله.
(3)تقرير(2018م) منتدى الاقتصاد والمال والأعمال-الأمم المتحدة.