حين حول الأوروبيون المومياوات لعقاقير طبية!

انبهر الأوروبيون بآثار مصر وكنوزها منذ القدم، ومع بداية العصر الحديث في القرن السادس عشر الميلادي تمّنوا أن لو استطاعوا نقل تلك الآثار إلى بلادهم؛ بحجة أنهم الأقدر على المحافظة علي التراث العالمي من غيرهم، وادعوا أيضاً – وقد يكونوا محقين في هذا الإدعاء –  أن الحكومات المصرية المتتالية بل والكثير من أفراد الشعب المصري لا يعوا قيمة ما تزخر به بلادهم من كنوز، وقد انطلت تلك الحجج الواهية على كثير من مسئولي مصر بل وعلى بعض علماءها خلال تلك الفترة، واستغل الأوربيون هذا المناخ فغرفوا من آثار مصر وكنوزها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

 

ونحن ليس لدينا أي شك في بطلان تلك الحجج الواهية، ولكن بالرغم من ذلك نُورد هنا دليلًا قاطعًا – من الدلائل العديدة – على هذا البطلان، دليلٌ يتمثل في؛ تلك التجارة الرابحة التي اشتغل بها هؤلاء الأوربيون الذين انبهروا بالمومياوات المصرية القديمة وتحدثوا عنها وعن عمليات التحنيط باندهاش، ولكنهم بالرغم من ذلك لم يحافظوا عليها أو يعملوا على نقلها إلى بلادهم للاهتمام بها كما ادعوا، ولكنهم استخدموها ومستحضراتها في العقاقير الطبية[1]، فقد كان لديهم اعتقاد كامل بأن تلك المومياوات لها دور كبير في علاج الكثير من الأمراض؛ حتى أن "فرنسيس الأول" (1494-1547م) ملك فرنسا كان يحرص باستمرار على حمل لفافة صغيرة من المومياء للطوارئ.

   

قام الأهالي في مصر ببيع الجثث حديثة العهد على أنها مومياوات من أجل الحصول على الأموال، ولكن حِيل هؤلاء المصريين لم تستمر طويلًا فقد كشفها تجار المومياوات الماكرين

ولذلك راجت تجارة المومياوات، وبدأ تصديرها من مصر إما كمومياوات كاملة، أو عبارة عن فتات الجثة معبأ في علب ليُباع في أوروبا، وقد قام الأهالي في مصر – وعلى إثر هذه التجارة –  بانتهاك حرمة المقابر القديمة، بالرغم من أنهم لم يحصلوا على أسعار كبيرة مقابل ذلك؛ فقد كان الأوربيون يدفعون للأهالي 25 قطعة ذهبية مقابل مائة مومياء محنطة، فقد كانت التجارة رابحة لهؤلاء الأوربيين وليس للمصريين! وقد اشتغل الكثير من الأوربيين بهذه التجارة؛ ومنهم: الرحالة الألماني "جوهان هلفريخ"؛ الذي زار مصر عام 1565م من أجل الحصول على المومياوات لدرجة أنه قام بنبش عدد كبير من القبور، ولكنه فشل في الحصول على أي منها.

   

أما "جون شانديش" وكيل الشركة التركية بالإسكندرية (1585-1586م) فقد استغل عمله بمصر في العمل بتجارة المومياوات، وقضى معظم وقته في مناطق جلب المومياوات بـ (منف)، واشترى بـ 600 جنيه مصري مومياوات محنطة وقام بتصديرها إلى انجلترا، واستخدم في تحقيق هذا الغرض الكثير من الحيل ومنها الرشوة، وقد ربح من تلك الصفقة أرباحًا طائلة!

 

ودفع إقبال الأجانب على المومياوات المصرية؛ أن قام الأهالي في مصر ببيع الجثث حديثة العهد على أنها مومياوات من أجل الحصول على الأموال، ولكن حِيل هؤلاء المصريين لم تستمر طويلًا فقد كشفها تجار المومياوات الماكرين! وبالرغم من أن بعض الحكومات المصرية المتعاقبة قد حاولت الحد من تجارة المومياوات من خلال فرض ضريبة باهظة عليها، وحظر تصديرها للخارج، إلا أنها استمرت في الرواج، حيث ظلت تستخدم في الطب، حتى أن الفيلسوف "سير توماس براون" قال: "أصبحت المومياء سلعة تشفي الجروح، وأصبح الفرعون يُباع للحصول على البلسم"!

 

في حين يقول "مارك تورين" بأسلوبه الهزلي: "تستخدم القِطارات المصرية مومياوات عمرها ثلاثة آلاف سنة كوقود يُشترى بالطن وربما بمحتويات المقابر كاملة، وقد يصيح سائق القطار قائلًا: رفات السُوقة لا تحترق ولا تساوي مليمًا، ابغ لنا ملكًا"!! وقد ظلت هذه التجارة رائجة حتى أنه وفي سبعينيات القرن العشرين كانت هناك سوق منظمة للمومياء وإن كانت أقل بكثير مما كانت عليه في القرون السابقة، بل وظلت صيدليات أمريكا ودول أوروبية تبيع مسحوق المومياء المصري الأصلي بسعر أربعين دولارًا للأوقية الواحدة!    

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1] – فقد كانت كلمة (مومياء) كلمة فارسية مشتقة من ماميا أي الزفت، وكان القار الشرقي مشهورًا في علاج الجروح والكدمات والغثيان والكسور وغيرها، وهو قريب الشبه من مما كان يستخدمه المصريون القدماء في التحنيط، ولذلك عندما شح هذا القار بدأوا يستخدموا ما هو موجود منه على المومياوات المصرية ثم تطور الأمر لاستخدام الجثة نفسها! ، للمزيد انظر: بريان م. فاجان، نهب آثار وادي النيل ودور لصوص المقابر، ترجمة: أحمد زهير أمين، مكتبة الأسرة، القاهرة 2003، ص36



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

بدأ المصريون دفع زيادة جديدة في أسعار الغاز الطبيعي المستخدم في المنازل والنشاط التجاري اعتبارا من مطلع أغسطس/آب 2018، وسط مخاوف من أن تشهد البلاد موجة غلاء جديدة.

الأكثر قراءة