ثقافة الاستهلاك.. كيف حولت الثورة الصناعية قيم المجتمع؟

blogs - الاستهلاك

قد نختلف كثيرا في تحديد أسباب حقيقية لظاهرة تحول وتبدل القيم والعادات التي ضربت ليس مجتمعاتنا العربية فقط بل العالم بأسره.. ماذا حدث لينتفض العالم ضد قيم ثابتة راسخة لمئات السنين! مجرد انتفاضة صادقة ضد "رجعية" أم أن الأمر ليس بهذه السذاجة؟!.. الثورة الصناعية وتبعاتها غيرت وجه العالم وظهرت النظريات الاقتصادية المختلفة واتسع حجم الانتاج مما حذى بالدول المصنعة وأصحاب المصالح للبحث عن سوق جديد لتصريف هذه المنتجات بأي وسيلة ممكنة وإن كان الأمر بالغزو الفكري والسياسي أو حتى السيطرة العسكرية لتأمين سوق جديد لبضائعها مما يعني أرباح جديدة. ولكن بريق الأرباح دفعت أصحابها دائما لتوسيع سوق ونطاق بيع بضائعها ليصادفها في ذلك القيم المستقرة في المجتمعات، الحصن المانع ضد التغيير، كان هذا التحدي الأصعب، ما الحل؟! لما لا نغير قيم هذه المجتمعات لتناسب بضائعنا.. جيد ولكن كيف؟!

 

من أفضل من حركات "التحرر الفكري" لتقوم بذلك وكذلك حملات العلاقات العامة التي لم تدخر جهد في الدعاية والترويج لأفكار جديدة وغريبة على المجتمعات وربطها بأفكار تحررية كانت أفكار مساواة أو غيرها مستغلين استراتيجيات وسيكولوجيات إقناعية متعددة لإحلال قيم جديدة فقط من أجل إيقاظ ثقافة الاستهلاك عند المجتمع ككل لينهض إلى الاسواق ويشتري ما يسد ثمنه جشع أصحاب المصالح التجارية.

إذا كانت الرأسمالية والشيوعية وأفكار مثل العولمة هي أفكار اقتصادية في الأساس لها أيضا اتجاهاتها في الحياة الاجتماعية فالأولي لنا أن ندرك أن جوانبها الاجتماعية لابد وأن تنعكس تماما على الناحية الاقتصادية

أذكر لتوضيح الفكرة: عندما رأت شركات التبغ الأمريكية في بدايات القرن الماضي خسارتها لسوق كبير يتمثل في النساء -حيث كان ينظر الي التدخين أنذاك أنه شيء لا يليق بالمرأة-، فما كان من الشركة إلا أن استعانت بإدوارد برنايز أحد مؤسسي مدرسة البروباجندا ليقود بحملته الدعائية لإقناع النساء بالتدخين.. وبالفعل نجح بعد أن استعان بنظريات عمه عالم النفس الشهير "سيجموند فرويد" فربط السجائر بأنها ذات دلالة معينة عند الرجال ليمهد لها الطريق كشكل من أشكال التحرر وبالفعل نجح بعد خطة محكمة-لا تهم تفاصيلها الآن- أن يجعل من تدخين النساء أمر مقبول في المجتمع الأمريكي.

  

المهم هنا هو كيف اسُتغلت البروباجندا لتغيير السلوك والقيم لا لشيء تحرري كما يدعي، فقط لفتح أسواق جديدة وبالتالي تستمر عجلة الاستهلاك مستمرة مما يعني زيادة المبيعات ما ينعكس على إنعاش خزينة الشركات.. خداع أم غسل عقول نجح به الأمر وظهر وكأنه قيمة تحررية جديدة أضيفت للمرأة وساوتها بالرجل ولكن الحقيقة أبدا ليست بتلك النقاء أبدا. ضف على ذلك آلاف الأمثلة الحياتية الأخرى ما الذي سيعود علي بائع ربطة العنق إن ظلت أمامه أسواق المجتمعات ذات اللباس المحلي منغلقة أمامه، عليك عندما تقف أمام موجات التغريب التي تغزو مجتمعاتنا وأنت تدرس أسبابها أن تضيف تلك الأبعاد إليها لربما كان فيها من الصواب.

 
أنا لا أعطي غرس ثقافة الاستهلاك بمثالي هذا كسبب وحيد للتغيرات القيمية الخطيرة التي نعيشها الآن، نعم هناك عوامل أخرى لكن عامل الاقتصاد والاستهلاك عامل جوهري وسبب رئيسي لما نشاهده لأن من عولمة القيم والمبادئ والعادات واستغلال حجج واهية لصرف أنظار الناس عن الأسباب الرئيسية.. لا بد لنا ألا نكن بهذه السذاجة إذا كانت الرأسمالية والشيوعية وأفكار مثل العولمة هي أفكار اقتصادية في الأساس لها أيضا اتجاهاتها في الحياة الاجتماعية فالأولى لنا أن ندرك أن جوانبها الاجتماعية لابد وأن تنعكس تماما على الناحية الاقتصادية لتحقيق أهداف هذه النظريات وإلا فما دورها؟!

    

وبالتالي فإذا كان ثمة مشكلات أو قيم تواجه وتعارض تحقيق هذه النتائج فلابد ومن الأولي تغييرها عن بكرة أبيها عن طريق استغلال شعارات التحرر والانفتاح وتكوين القرية الكونية التي لا يكون فيها مكان لقيم مختلفة بل قيم واضعي النظريات الاقتصادية وحسب. قيم التجار وأصحاب المصالح مستغلين طاقات أجهزة الإعلام والدعاية وحملات العلاقات العامة، آلات الدعاية والعلاقات العامة وفنون الإقناع المختلفة الأخرى لغسل أدمغة الشعوب لضمان شيء واحد فقط استمرار عجلة الاستهلاك وبالتالي استمرار الأرباح وبالتالي تكوين ثروات على حساب مقدرات وقيم الأخرين. وكل التقدير للمجتمعات البدائية التي لازالت محتفظة بتراثها.