شعار قسم مدونات

الـحرية عند الشعوب العربية المقهورة

blogs - حرية الشعوب

في المُجتمعات المُستَبِدَة، نُلاحِظُ أن هُناكَ كثير مِن المُهَمَشِينْ، الذين إذا طالَ بِهِمُ التَهميشُ، سوف يصبروا كالبهائِم، بلا رأىٍ، بلا عقلٍ، بلا طموحٍ، بلا فِكرْ، وكل إِربِهِ من حياتهِ البائِسَة هو الأكلْ والشُربْ والغَريزةْ. هذا ما تَصبُوا إليه أَنظِمَةُ الاستبداد عِندَ تلكَ الشُعُوب، فإِما أن يعيشَ الفَردُ في سِجنِ العُبوُديَة ذليلاً حَقيرَاً، وإلا فإن الدائرةَ تَدُورُ عليهِ ليعيشَ في سِجن (طُرَة). أما سِجنُ العبودية عند كُل فردٍ تتلخَصُ في كلمتين هما (الأنــا والخُضـوع)، حيثُ يَنصَرِفُ كُلُ فَردٍ للبَحثِ عن مَصلَحتِهِ الخاصـة، ويَرمى بالوطنية خلفَ ظَهرِه، إذ لا يُرددُ مُصطلحَات الوطنية حينها إِلا الأغنياءُ، وتِلكَ المَصلَحةُ تتمَلمَلُ بأدنى درجاتِ (الأنا)، وهي الأكل والشُربْ والغريزةْ. لأجلِ ذاكَ يُضَحى الفَردُ بأي شيء كان، الضَميرْ أو المَبدأ أو الشَهامة، ويتجاوز الأمرُ إلى التضحية بإنسانيَتِه، حتى يجُرَهُ خُضُوعُهُ وذُلُهُ إلى ذُل الكَلب، يظلُ طائِعاً خاضِعاً لأجلِ لُقمَةِ العَيش التي يَرميها لهُ صاحبُ أَمرِ، وهنا ينتقِل لمُستنقَعِ الخُنوعْ بعد الأنا.

وعندما يَخنعُ الفردُ ويخضَعُ، يصيرُ غيرَ قادرٍ على الإيمانِ بقدراتهِ حتى، موقناً تمامَ اليقين أنَهُ غيرُ مُمَيَزْ بأي شيء. هذا ما تريدهُ أنظمةُ تلك الشعوب، أن ينسى الإنسانُ أصلاً معنى الحُرية، وألا تُوجدَ إلا في حُريةْ السُفُورْ والخَلاعةْ، فتنحَرِفُ الكَلِمَةُ عن معناها، ولا يَقتصرُ الأمرُ هُنا، بل إن المُستَعبَدَ يتلذذُ بآلامِهِ، ويشعُر بالنشوةِ من تعذبيه وتكبيلِ يديهِ وقَدميهْ وعقلهْ، كأنهُ امرأة ناشزُ لا تأتى إلا بالضَرب ولا تتلَذَذُ إلا بالقسوَة، ولا يشعُرُ المُستَعبَدُ بذلك، طالما أنَهُ يَتسَول فيظفَر بالأكلْ والشُربْ والغَريزةْ. وضعت القوى ُبتِلكَ الشُعوب للفقيرِ سلاسلاً فسماها تارةً ناموساً، وأغلالاً سماها قانوناً تارةً أُخرى، فإنْ خَضعَ كان طيباً مُسالماً، وإن أرادَ حُريتَهُ كانَ مُعادياً للقانونْ وطاغياً يُهَددُ أمنَ النِظامْ القومي، فعِندها يكونُ مطلبُ الإنسانِ أن يُحبس في نَفسِه بَدلاً أن يُحبَس بسِجن دولته. وهُنا يَكمُن سِر تَخَلُف تِلكَ الشُعوبْ، فهُنا تَفسَدُ فِطرةُ الفَردِ الذليل، فيصيرُ غيرَ آبهٍ لمعنى الحُريَة وقيمتها في الحَياة، ويَرضى بأن يكُون السادةُ والأغنياءُ أحراراً والعبيدُ عبيداً، فيسأل الفقيرُ عن أتفَهِ المُمتلكَات وأحقرها، والسادة يمتلكونَ أطياناً فوقَ أطيان، وليس من حِق الصغيرِ أن يَنظُرَ أو يسأل: (من أينَ لكَ هذا؟)، بل أن يرضى ويَخضع ويكون طيباً قنوعاً. ونسينا أنَ الصحابة رضوانُ اللهِ عليهم قد سألوا الخليفة الفاروق عُمر عن قِطعَةِ القُماش الزائدة التي يلبَسُها، فما كانَ مِنهُ إلا أن ردَ عليهم أنها لابنه ولم يَسلُب من أموالِهِم شيئاً، لذلك هُم عِظام والأُمَة كانت عظيمة وقتها، لم يكن هناكَ فرقُ بينَ أبيضٍ أو أسودٍ أو عربي أو أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح.

إنَ تِلكَ الشُعُوب لا يَنعَمُ فيها إلا الأغنياء وهم أيضاً كالحيوانات في الحياة. أما باقي الطبقات الاجتماعية، فتلتَفُ أصنافُ القَهرِ والمَذلة على عُنُقِها

وتسوءُ الأمورُ أشد السوءْ، ويهوى المُجتمَعُ هوياً مُبيناً وينحدرُ انحداراً مُقذِعاً، فينسى الشابُ عقيدتَهُ وفِكرهْ وثقافتهُ، فيُحتَقرُ مراراً وتكراراً حتى لا يؤمن بقدرته الذاتية، ويرى نَفسَهُ عاجِزاً عجزاً تأباهُ فراخُ الطيورْ، فيعجزْ عن الانتقاد والاستفسار وحتى عن الكَلامْ، لا يجرُأ أن يتصور أنهُ قادرُ على القيامِ بأي عَملٍ صغيرٍ مهما كانْ. وهُنا يحتقِرُ الجيلُ نَفسهُ بنفسهِ، وعندها يصيرُ حقيراً بالفِعلْ، فَيَسهُل على الضَعيفِ بتلكَ الشُعُوبِ أن يتقَبَلَ المَذَلة بصدرٍ رَحِب، ويلجأ لأحضانِ العبودية والاستعباد، فيفتَحُ ناظرَيهِ على نوافِذٍ أُخرى، أن يُقَلِدَ الغَرب، في أكلهم وشُربهم وملبَسِهِم، حتى لُغتِهم ويَتفَرنَجْ ظاناً بذلك أنهُ مُتحضِرُ مُثقَفُ، وهو لا يَدرى أنه بذلك حقيرُ مُستَعبدْ لثقافةٍ أُخرى، ناسياً أُصوُلَ ثقافتهِ العربية الإسلامية. والغرب يُريدُ هذا، أن يُحَقِرَ دين الشرقي وإيمانهُ وأدبهُ وفِكرَه وكُل ما لديه، ويَرقُصُ الشرقي لذبحِهمُ إياهُ في بلاهةْ وحماقَة ظاناً أنهُ مُتحَضِر، وهذا داءُ يصيب الأجيالَ القادِمة، أن يتطاول الاستعباد إلى أن تُلغى أفهامُ الناسِ وعقُولُهم، فتتبوَل كُل الوسائل على تلك العُقول المُستَعبَدة، حتى تصدق كُلَ ما يُقال.

ولا تتوقف المَهزَلةُ عندَ هذا الحَد وحَسب، فبعدما يكون هَمُ الفردِ الأوحد هو السعي خَلفَ رِزقِه ويَقعُ الإنسانُ في الدوران الأحمقْ، يأكُل وينامْ، ثم يستيقظُ ليكدَح ويأكُل وينامْ، وإنتاجْ للاستهلاك، واستهلاك للإنتاجْ، وهكذا، بل تتعَفنّ إلى أن تُغادرَ القيَمُ العالية نَفسَ المُستَرَقْ، فتفسُدَ اهتماماته وأولوياتُهُ بالحَياة. فيصيرُ الدينُ والهُويَة آخر اهتماماته – إن كانت من ضِمنِ اهتماماته أصلاً – فيستَنكِرُ من ذاتِهِ نَفسَهُ، ويستقبح منزِلتَهُ ويلومُ القَدرَ لوضعه هذا، ومن ثمَ يُضحى بكُل شيء وبأغلى الأشياءْ، لأجلِ الحُصُولِ على أبخَسِ الأشياءْ، ويَرفعُ رأسه لعنان السماءْ ويفتخر بما لديه من سيارة، أو فَرنَجة بلسانِه أو شَعرٍ مُسترسلْ، أو فتاةٍ يُحادِثُها. في ذاتِ الوقت فهو صُعلوك، وهو لا يشعُر، وهنا تبدأ عبوديَةُ الإنسانِ للصفاقة والتفاهة بلا دِراية، فتطوِقُهُ رذائلُ الأشياءِ فيصيرُ كأنَهُ بينَ ماضغي الأسد وفوقَ روقِ الظبي. ومن هنا ينحدِرُ المُجتَمَعُ للهاوية السَاحِقةْ الماحِقةْ، فينحَدِرُ لما هو أشقى. أن يكون استعباده سبباً رئيسياً في تفاهتهْ، أن يكون حيواناً على صورة إنسان، فيصيرُ هَمُهُ ومَسعاهُ، ليس دعوةً لدينٍ أو فِكرْ، بل شراء لباسٍ جديد وسيارة وفيلا وأي مقام هو في نظر الناس غالٍ ونَفيس، ولا يعرف معنى قوة الرفضْ والتشييدْ، وهو إما ينبُذ أصلَه (أي ثقافته ودينه) أو ينسى أصلَهُ، وفي الحالتين هو بلا أصلْ.

إن كَلمة (لا) قد وهبها اللهُ لآدمَ عليه السلام وسمَحَ لهُ اللهُ تعالى أن يستَخدِمَها فأكل من الشَجرة، أما نحنُ فنستعملُها ضِد ذاتها، أي نقول لا للحرية، نُحب العُبوديَة، نريد الحياةَ فُسحاً ومناظِراً وتفاهة طالما لن نُسجَن، ونحن بذيل العالم، ورأس العالم المُرَفَه الذى وصل للقمة تقريباً ليسَ بتفاهتنا هذه، وليست آمالُه بهذهِ الصغائر. أليس ذلك غريباً! هذا مصدرهُ البُعد عن الهوية والثقافة والعقيدة الإسلامية، أغلب شباب تلك الشعوب لا يدري أصلا أُصول مُعتَقَدِه، ولا أُصولَ إنسانيتِهْ. إن اللهَ خلقَ الخلائقَ كُلها أحراراً، والحيوانُ يُصاغُ للوجودِ حُراً طليقاً، وهذا حَقُ آدمي، ولكن المَقهور الذي يُضحى بأغلى ما أعطاهُ اللهُ تعالى لأجل ما هو تافِه، يكونُ حبيسَ نَفسِهِ وحُكومَتهِ من المَهد إلى اللحدْ.

إنَ تِلكَ الشُعُوب لا يَنعَمُ فيها إلا الأغنياء وهم أيضاً كالحيوانات في الحياة. أما باقي الطبقات الاجتماعية، فتلتَفُ أصنافُ القَهرِ والمَذلة على عُنُقِها التفاف الحَية بالعُنُق واللسان والعيون والآذان والأقدام والأيدي وحتى القَلب، فيصيرُ كالميتِ، مبحوحَ الصوتِ مُنعَدِمَهُ، وضيقَ الصَدر، ومُتعلِقَ الأنفاس، وجاحِظَ المُقَل، وجافَ الريق، ومُتحَجِرَ اللِسان. عندها يكونُ المرءُ في هذى المُجتمعات ضالاً سبيلَهُ في صَحراء جرداءٍ في ليلَةٍ داجيةٍ مُدلَهِمَة غابت بها النُجومُ والقَمرُ والغيومُ والكواكِب، فيَقِفُ وِقفَةَ الحائِرِ المُضطَرِب يَسمَعُ العواءَ والزئير والفحيحَ والصفير، ولا يدري بموقِفِه المُضنى أيَتَقَدَم فيزدادُ ضلالاً، أم يتقَهقَر فلا يَجِدُ مجالاً. إلا أنَهُ يبقى مكانَه تحت جناحِ الدُجى تتملَكُهُ ضُروُبُ المَذَلة ولا يدري ما يُرادُ منهُ ولا بِه، ولا يَجِدُ يداً تأخذُه من ظلامِه، ويبقى على وَضعِه ذاكَ حتى يشاءَ اللهُ أن ينكَشح الظلام عن الشَعب، ويَدنو شُعاعُ الفجر فتُشرِق الشمس. وعِندما تُشرِقُ شَمسُ الحُرية لتُرسلَ خيوطها لنواحي البرية، فإن الحُكومة المُستبِدة تُهدى المِظلات الرخيصة للمُستَعبدين، ليَحجُبوا بها شُعاعَ الشَمسْ، فيتناول العبيدُ تلكَ المظلات بصدرٍ رحبٍ ويشكرونَ حكُومتهُم على تلك الهدية الثمينة، فَيعيشوا بدُجى الحياةِ كموتى بُظلمات القبر، فيَنسوا أصلاً معنى الحياة والنور والحرية، إن المُطالبَ بحُريتِهِ ليسَ بشحاذٍ ولا مُستَجدٍ، وكيف يستجدِ الإنسُ من الإنسِ ما وهبَهُ إياهُمُ خالِقَهُم!