ماذا علمتني الفلسفة؟

blogs قراءة

ربما لم تكن علاقتي مع الفلسفة جيدة إلى الحد الذي سيحفزني لدراستها في الجامعة، بل لم يكن ذلك أكثر من علاقة عابرة جمعتني معها في الثانوية، وبعد أن اجتزت امتحان الباكالوريا بنجاح، وكانت نقطة الفلسفة مستحسنة، كل ذلك لم يكن ليشغل بالي بأمر دراستها والتعمق فيها إلى أبعد حد، لم يكن ذلك متاحا لأن الفلسفة كانت بعيدة عن اهتماماتي آنذاك، لكن ذلك سيتغير وسيتجه اهتمامي لدراستها لا لشيء إلا لأن هناك خصاص في أساتذة شعبة الفلسفة، قررت أخيرا دراستها بناء على الأسباب التي دفعتني إليها وليس على الأسباب المرتبطة بضرورة دراسة الفلسفة لما لها من إيجابيات على التفكير الإنساني في مجمله.

 

قبلت ذلك لأن الخيارات كانت بعيدة عن متناولي، لكي أختار الاتجاه الذي يناسب ميولي، الاتجاه الذي من شأنه أن يعطيني الفرصة لأبدع فيه وأجتهد فيه، ونظرا لغياب التوجيه الأمثل في مدارسنا وفي مناهجنا التعليمية، لم أكن أملك إلا أن أختار دراسة الفلسفة لعلها ستضمن لي وظيفة معينة، هذا هو السبب الذي كان يراودني لما قررت دراستها، ولكن هذا السبب سيتغير بعد أن وجدت دراسة الفلسفة تلبي حاجاتي العقلية وتسعفني في استخدام عقلي في أكثر الأمور بداهة، وهكذا اجتزت امتحان القبول في الجامعة تخصص الفلسفة، وتم قبولي فيه بالرغم من أن إجابتي لم تكن مقنعة تماما، وجمعت وثائق استكمال التسجيل، ثم أصبحت طالبا في شعبة الفلسفة.

 

لقد انعطفت عن المسار الذي كنت مهتما بدراسته، والذي لم تسعفني الظروف على الولوج إليه، واخترت دراسة شعبة منبوذة في مجتمعي، ثم إن والدي لم يكن يتقبل أن ابنه يدرس الفلسفة، بناء على ما يتم تداوله بخصوصها، على اعتبار أنها مرتبطة في التمثلاث المجتمعية بالإلحاد والكفر والزندقة وما إلى ذلك، لقد كانت الفلسفة مرفوضة في المجتمع، وحتى الدولة المغربية طالما كانت تحارب هذه الشعبة لا لشيء إلا لأنها تفتح الوعي وتكسب العقل قدرات على النقد والتساؤل، وهذه الأمور يرفضها المجتمع وترفضها الدولة لأن من شأن ذلك أن يجر دارسي الفلسفة إلى التساؤل حول مجموعة من الحقائق، والتشكيك في العديد من المسلمات، وربما كان ذلك سببا في كل هذا الرفض والنبذ التي طال الفلسفة، رغم أنها بريئة كل البراءة من كل ما يتمثلونها حولها، ولكنها تظل متهمة حتى تثبت براءتها.

 

أصبحت الفلسفة منبوذة، لأنها تؤمن بالعقل وتعطيه حصة الأسد والأولوية في كل البديهيات والمسلمّات، ولأنهم لم يتعلموا استخدام العقل والإيمان به، كان حريا أن يشنوا حربا على الفلسفة

لقد تضاعفت إذن مهمة الفلسفة، فلم تعد مهمتها متعلقة فقط بالوجود والإنسان والتفكير، بل أصبحت مطالبة بالدفاع عن نفسها لكي تثبت براءتها، لكن ذلك يبدو مستبعدا في ظل الدوغمائية والتعصب الذي يطال المجتمع، والذي يرفض بشكل قطعي كل ما له علاقة بالفلسفة، ويرفضون كل الأدلة والحجج التي تقوي مكانة الفلسفة، وذلك الرفض الذي يطالها ترسخ فيهم بدون سبب مقنع لذلك، وفي المقابل يؤمنون بكل ما ليس له علاقة بالعقل، على اعتبار أن العقل بات من المحرمات عندهم.

 

ومن هنا أصبحت الفلسفة منبوذة، لأنها تؤمن بالعقل وتعطيه حصة الأسد والأولوية في كل البديهيات والمسلمّات، ولأنهم لم يتعلموا استخدام العقل والإيمان به، كان حريا أن يشنوا حربا على الفلسفة، ولقد ساهمت مجموعة من العوامل في هذه الحرب، لكن يبدو أن لا طائلة منها في ظل الخمول والكسل الذي أصاب معظم أفراد المجتمع، والذين استسلموا للجهة المضادة للفلسفة، وباتوا معها خاضعين لذلك التفكير المتجاوز والذي لا يؤمن بالعقل.

 

لقد ظلت الفلسفة ومازالت منبوذة وسط مجتمع لا يعترف بدور العقل في ممارسة الحياة، وفي المقابل يعتقدون بأن ممارسة الحياة بمثابة أمر تم تحديده سلفا ويجب اتباعه على أكمل وجه من أجل الفوز، هذا هو السبب الذي جعل معظم الأفراد في المجتمع لا يتساءلون حول الحقائق التي زرعت فيهم في اللحظة التي لم تكن فيها شروط التساؤل قد اكتملت لديهم، وهذا هو السبب في هذه الأزمة العقلية التي تحيط بنا.

 

ثم إن هناك مجموعة من الظروف تساهم في ابتعاد الأفراد عن ممارسة فعل التفلسف والتساؤل حول كل شيء، هذا الظروف سعت جاهدة لجعل الأفراد خاضعين مستسلمين للحقائق المغلوطة والمتوارثة، والتي يتلقونها في الأماكن التي يتم استغلالها لهذا الغرض. لم يكن من الحكمة أن تتأزم الفلسفة إلى هذا الحد، لأننا وبكل صراحة محتاجون إليها لكي تخرجنا من هذا الخراب الذي لا يؤمن بالعقل، ولأنه لا محيد لنا عن الإيمان بالعقل لكي نستفيق من هذا السبات الذي أبى أن ينتهي.

 

لم أكن طالبا مجدا في الفلسفة، ولم تكن لدي رغبة في استكمال الدراسة فيها، كما أنني لم أوفق في الحصول على هدفي من اختيار دراسة الفلسفة في الجامعة، ورغم ذلك حصلت على شهادة الإجازة في شعبة الفلسفة، ورغم كل تلك التفاصيل التي لم تسعفني في الحصول على وظيفة أستاذ الفلسفة، إلا أنني لم أندم حقا على دراستها، لم أندم لأن الفلسفة علمتني الكثير، ولولاها لكنت واحدا من المجتمع الذي يؤمن بأن العقل لا يجب أن نتعمق في استخدامه، وكنت سأصير شخصا يمارس حياته كبقية الأفراد دون تساؤل عن ماهيته وعن وجوده، كنت سأكون نسخة من مجتمع لا يقبل بالتفكير العقلاني، وفي المقابل يؤمن بمجموعة من الإيديولوجيات والتقاليد التي ومن كثرة توارثها أصبحت بمثابة حقائق تحكم هذا المجتمع.

 

لقد تعلمت من الفلسفة أن أومن بالعقل إلى أبعد مدى، وأن لا أتنازل عن عقلانيتي حتى في اللحظات التي يصبح فيها الصواب صوابا، وعلمتني أن أتساءل عن كل شيء بما في ذلك الحقائق التي يحرم المجتمع النظر فيها، وعلمتني الفلسفة أن أسبح في عالم التفكير وأن أحاول أن أبحث عن إجابات مقنعة، هذه الإجابات علمتني الفلسفة أن أحولها إلى تساؤلات منطقية تخص وجودي وكياني، وعلمتني الفلسفة أن لا أتبع المجتمع حتى في الحالات التي يكون فيها صائبا، وأن أتبع عقلي دائما، وأن لا أقف عن التساؤل وأن لا أضع حدودا لتساؤلاتي.

 

وعلمتني أيضا أن لا أكون تابعا خاضعا، وعلمتني أن أحاول أن أجد ذاتي بعيدا عن القطيع، وأن أبحث عن حقيقتي غير تلك الحقيقة التي ظلوا يزرعونها فينا، لقد علمتني الفلسفة أن أؤمن بالعقل وأن أعتبره إلها يغنيني عن تلك الآلهة التي ألصقوا بها العديد من الأمور التي تنبذ الحياة، لقد علمتني الفلسفة أن أبحث في ضميري وعقلي عن الإله الذي لا يشبه ذلك الإله الذي أوصفوه لنا بأنه شديد العقاب.

 

الفلسفة هي دواء لمن أراد أن يجد ذاته في هذا الوجود، هي دواء لمن عرف كيف يقطف ثمارها، هي دواء لمن اختار أن يؤمن بالعقل ولا شيء غير العقل في هذا العالم الغارق في الظلامالفلسفة هي دواء لمن أراد أن يجد ذاته في هذا الوجود، هي دواء لمن عرف كيف يقطف ثمارها، هي دواء لمن اختار أن يؤمن بالعقل ولا شيء غير العقل في هذا العالم الغارق في الظلام
 

لقد علمتني الفلسفة أن أكون إنسانا بمعناه الكوني، الإنسان الذي يؤمن بالاختلافات والذي ينبذ التعصب والدوغمائية في الرأي، لقد علمتني أن أتجاوز كل الاختلافات الدينية والعرقية واللغوية..، وأن أبحث عن المشترك الكوني بيننا، بين جميع البشر، وعلمتني أن لا أنظر إلى الآخرين نظرة سلبية، وأن لا أخد هذه النظرة بعين الاهتمام، وأن اتجاوز هذا النظرة، وأن أحترم جميع البشر بغض النظر عن اختلافاتهم.

 

لقد علمتني الفلسفة كما علمني محمود درويش بأن أكون واقعيا كالسماء، وبأن أمارس حياتي بشكل واقعي دون مثالية ودون تصنع، وعلمتني أيضا أن أمارس نصيبي من الجرأة، وأن أكون صريحا حريصا على قول الحقيقة وعدم ممارسة المجاملة، وعلمتني أن أؤمن بحريتي بكل عقلانية، وأن أمارسها بكل ما أوتيت من حرية في الحدود التي لا يجب أن أتعدى فيها حدودي، وعلمتني أن أكون مسؤولا عن أفعالي وعن أقوالي.

 

لم أتعمق في الفلسفة إلى درجة كبيرة لكي أستكشف من عالمها كل ما يمكن أن يغنيني عن تجاوز سلبياتي، لكنني أحاول مرارا أن أستنشق من هوائها ما يدفعني إلى المزيد منها، وأن أواصل علاقتي بها إلى النهاية، ذلك أن الفلسفة عندما تتذوق طعمها ستتمادى وستطلب المزيد منها، لأنها حقا بمثابة دواء لمن فقد القدرة على الاستمرار في الخضوع.

 

هي دواء لمن أراد أن يجد ذاته في هذا الوجود، هي دواء لمن عرف كيف يقطف ثمارها، هي دواء لمن اختار أن يؤمن بالعقل ولا شيء غير العقل في هذا العالم الغارق في الظلام، هي دواء لمن قرر أن يتمرد على الجماعة وعلى عقلية القطيع، والفلسفة هي الحياة لمن عرف إليها سبيلا، وهي السبيل لمن أراد أن يكتشف وجوده، هي الوجود لمن بات العدم رفيقه في الواقع، هي الواقع لمن استسلم للخيال، هي الخيال لمن أراد أن يستخدم عقله، هي العقل لمن رغب في الاطمئنان.



حول هذه القصة

ميدان - فيلم نو بادي

الفلسفة والسينما، علاقة برزت في العديد من الأفلام، والتي سعت لمناقشة الأسئلة الفلسفية الأكثر اتصالا بالذات الإنسانية، كمعنى أن يكون الفرد إنسانا، وحقيقة هذا العالم، وغيرها.. إليكم أبرز تلك الأفلام.

Published On 4/7/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة