شعار قسم مدونات

هابرماس والفضاء العمومي.. "حملة مقاطعون نموذجا"

blogs هابرماس

إن المبدأ الذي تقوم عليه الدولة الحديثة هو فكرة سيادة الشعب الذي يعبر عن نفسه في شكل رأي عمومي، فهو يفيد رد الفعل الناتج عن أي مسألة ما، كما يفيد الطريقة التي يقع بها التعبير عن سلوك ما وكيفية رد الفعل ومسوغاته، فإذا كانت الدولة الحديثة توفر للأفراد داخل الفضاء العمومي الشروط الضرورية لتكوين الرأي عبر وسائل الدعاية والكتابة والنشر بشكل يُحول الرأي العام إلى مجال للاستهلاك اليومي فإن الأمر أصبح متجاوزاً بفعل التطورات التي عرفها العالم.

يمثل الفضاء العمومي في نظر هابرماس حلبة للنقاش العام التي تدور فيه المساجلات وتتشكل فيها الآراء والمواقف حول القضايا التي تُجسد اهتمامات الناس، فهو يقوم بالدرجة الأولى بمهمة المراقبة كما يمكن أن يمنع بواسطة النقد العمومي إمكانية القيام بمشاريع غير متلائمة مع توجهاته واحتياجاته.

إن موضوع الفضاء العمومي هو الأفراد أو الجمهور باعتباره حامل لرأي عام ذي وظيفة نقدية، والتفكير في الفضاء العمومي تفكير في أشكال الممارسة الإنسانية وأهدافها، خاصة في تعييناتها السوسيولوجية وأبعادها السياسية وتحولاتها التاريخية، أي أنه تفكير في آليات اندماج الفرد في المجموعة ومشاركته في الحياة العمومية، وتفكير في الممارسة الديمقراطية والوسائط التي تربط بين الأفراد داخل الفضاء العمومي.

فإذا كان مبدأ العمومية يفيد الجمهور المكون من فئات المجتمع باختلاف مستوياته ومشاربه، فالتطور التكنولوجي شكل ظهور آلية جديدة بعودة الحديث عن الفضاء العمومي بنخب متمركزة خلف شاشات إلكترونية باختلاف مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت الساحة العامة الجديدة والمؤثرة على خلق فضاء عمومي متنوع الابعاد يحتضن أنماطا متعددة من التفاعل، قادرة من موقعها على توجيه الرأي العمومي وتوحيده وعقلنته مما يؤثر في أي سلطة كيفما كانت سياسية أو اقتصادية.

فكرة الديمقراطية الليبرالية صيغت على نموذج العلاقات بين المشتري والبائع في السوق، حتى أدت الدعاية إلى الاحتواء الكلي للرأي العام، وإفراغ الوعي الفردي والجماعي من وظيفته النقدية الفعالة

أصبح الفضاء العمومي الافتراضي أو بالأحرى الواقعي الفعال، آلية مُعارِضة للسلطة المتجبرة، وذلك بكشف الحقائق وتبسيطها، وكذا تسهيل التفاعل الإيجابي بين الأفراد، فالشبكات الاجتماعية تتيح للأفراد المشاركة بنشاط أكبر في الحياة العامة، وبالتالي تعزيز الديمقراطية الحقيقية كما يمكن للفضاء المُعَولم أن يساهم في إخراج أفراد المجتمع، و ذلك من نقل الفرد من سياسة المفعول به إلى سلطة الفاعل، أفراد تحمل معها فِكر جديد لبداية دمقرطة الحياة للتفكير والتعبير النافد والالتزام بقضاياه فضلا عن تبادل المعلومات والأخبار وجلب التضامن والتعاطف للقضايا العادلة التي تهم الرأي العام.

ففكرة الديمقراطية الليبرالية صيغت على نموذج العلاقات بين المشتري والبائع في السوق، حتى أدت الدعاية إلى الاحتواء الكلي للرأي العام، وإفراغ الوعي الفردي والجماعي من وظيفته النقدية الفعالة، ويرجع التدهور الذي أصاب هذه الأفكار إلى هيمنة القِوى على صنع القرارات السياسية التي تصدر عن التفاهم والتواطؤ، لا على الحوار والنقاش العقلي الحر، كما يرجع إلى سيطرة وسائل الإعلام التي تُسخر لخدمة المصالح التجارية والتسلية والترفيه لا للتثقيف والتواصل وتدعيم الوعي الحر، هذا هو الواقع المغربي بشكل خاص والعربي بشكل عامة، إلا أن الأمر الآن خلاف ذلك بحيث يمكن القول أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت حاكمة في توجيه الرأي العام نحو مسألة معينة رغم ما تبذله الدولة بمؤسساتها في كبحها بوسائل تقليدية أو بالوسائل نفسها بأشخاص مسخرين عبر حملات الإشهار المدفوع من طرفا ومن لوبيات الاقتصاد لغرض الدعاية.

مستعملي وسائل التواصل الاجتماعي بالمغرب في الآونة الأخيرة شنوا حملات لمقاطعة سلع استهلاكية عقب ارتفاع أسعارها وتدني دخل الفرد من جهة وبيع نفس السلع في دول أخرى ذات دخل فردي جد مرتفع بأقل من ثمنها بالمغرب (المفارقة الجدلية)، وهذا يعزى في جانب منه إلى السلطات في المغرب التي قامت بتحرير تدرجي لعدد من المواد الأساسية في مقابل استقرار دخل الفرد أو بالأحرى تقزيمه عبر ضرائب مباشرة وغير مباشرة، فسلوك المقاطعين سلوك حضاري أقدم عليه المواطن الواعي الذي بادر للمقاطعة لإحداث التغيير وفعلاَ كان ذلك حتى لو أنكر من أنكر.

لا شك أن مقاطعة المنتجات الاستهلاكية من الأسلحة السلمية المُعبِرة عن وعي مجتمعي، وعن اتحاد إرادة فئات من المجتمع لتغيير توازنات اقتصادية نتجت بتواطؤ من لوبي الاقتصاد، وهذا ما أدى إلى التحكم الاقتصادي في المنتوجات ومن تم إرغام أفراد المجتمع على اقتناءها، تحكم شبيه برحى تطحن المواطن الضعيف.

مواقع التواصل الاجتماعي أفرزت ظاهرة جديدة وهي نخبة جديدة، بعضها معلوم الهوية وبعضها مجهول، نخبة بفعل قدرتها على التواصل أسست فضاءً بديل بإنشاء صفحات تتعاطى مع الأخبار بطريقة بسيطة وسهلة
مواقع التواصل الاجتماعي أفرزت ظاهرة جديدة وهي نخبة جديدة، بعضها معلوم الهوية وبعضها مجهول، نخبة بفعل قدرتها على التواصل أسست فضاءً بديل بإنشاء صفحات تتعاطى مع الأخبار بطريقة بسيطة وسهلة
 

المقاطعون ليس طبقة برجوازية يجتمع في الصالونات والمنتديات الثقافية العامة كما عبر هابرماس في -الفضاء العمومي- وإنما طبقة نشطت داخل مواقع التواصل الاجتماعية لوضع حد للغلاء الفاحش وتغول المحتكرين.. طبقة فُقِرت بفعل مصاصي الدماء إن صح القول بمباركة سلطات الدولة، التي اختراها الشعب -القلة القليلة- المنتخبة لتحمي مصالحها وتعبر عن رأيه في إطار الديمقراطية التمثيلية.

يمكن القول أن المقاطعون نجحوا عبر مواقع التواصل الاجتماعي في العصر الحديث من خلق وسيلة أخرى للتواصل والقيام بتكوين مذهب علائقي جديد، أو نمط واسع وراسخ من الاتصالية عبر وسائل يصعب التحكم فيها، فقد غدت واقعا فعليا وليس مفترضا، لأنها أصبحت بحد ذاتها أساسا ومصدر لمعطيات جديدة، فقد شملت كل شيء، ويعزى ذلك لسرعتها وحاكميتها والشاهد على ما نقول فشل الانقلاب على الشرعية في تركيا، حيث تحول الشعب للدفاع على بقاء الشرعية بعد تلك الملحمة التاريخية، فقد أثبت جدارته في التصدي لشرذمة الانقلاب وإحباط محاولة فاشلة بداً، لاختياره الدولة غير المناسبة -دولة المؤسسات الديمقراطية- على الرغم من استيلائهم على وسائل الإعلام الحكومية، إلا أن الشعب ساهم في تعزيز الديمقراطية من خلال التجمهر السلمي وإحباط محاولة الانقلاب ضد الحكومة الشرعية. إن توحد المقاطعون يعد امتداد لحركية مجتمعية تكاد لا تهدأ، وفي ارتفاع في قاعدتها، كشف عن حقيقة موجودة منتجة وبطلها وعي مجتمعي جديد يؤطره فضاء عمومي في صورة مواقع التواصل الاجتماعي.

فالفضاء العمومي هو الأداة التي من خلالها يتمكن المجتمع من حكم نفسه وفض نزاعاته من خلال المشاركة العمومية، هذه المقاربة المفاهيمية للفضاء العمومي هي العنصر الأكثر مثالية لأن هذا الأخير هو أحد ركائز الديمقراطية، فمواقع التواصل الاجتماعي أفرزت ظاهرة جديدة وهي نخبة جديدة، بعضها معلوم الهوية وبعضها مجهول، نخبة بفعل قدرتها على التواصل أسست فضاءً بديل بإنشاء صفحات تتعاطى مع الأخبار بطريقة بسيطة وسهلة، وإنتاج خطابات استطاعت من خلالها اكتساب شعبية كبيرة لتعبيرها عن الإرادة الشعبية، لتسيطر على الرأي العام الافتراضي وتدير هذا التمظهر للأفراد العاديين والنخبة والمؤسسات السياسية في مواقع التواصل الاجتماعي، والمتسم بحرية الرأي بين مختلف الأفكار والآراء دفع الكثير الى الاحتفاء بها لتجسيده للفضاء العمومي والنقاش العام بالمعنى الهابرماسي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.