عبثية التضحية.. رحلة البحث عن المعنى!

blogs التأمل

الواجب والمصلحة مفهومان متعارضان دائماً ولا يُمكن الخلط بينهما فالواجب دائماً يتجاوز المصلحة ولا علاقة للمصلحة بالأخلاق التي يمثل الواجب والمبدأ جزء منها فالأخلاق ليست وظيفيّة أو عقلانيّة فمثلاً إذا غامر شخصٌ فاقتحم حدود العدو من أجل تخريب ممتلكاته والعبث بإمكانياته ثم عاد محمّلاً على الأكتاف أو حتى احتُجزت جثته وحُرم أحبابه من حقهم في مواراته فهل من الحق أن نقول إن عمله كان بلا فائدة لأنه لم يكن مجدياً أو عديم الفائدة؟، فماذا عن الواجب والأخلاق التي تمنح قيمةً لهذه التضحيةِ عديمةَ الفائدةِ، لهذه المحاولة التي لم تنجح وهل تُقاس هذه القيمةُ بمقدارِ ما جناه من مصلحةٍ له ولغيره؟

إن تعلّقنا بعدالة قضايانا رغم هزيمتنا وضعفنا ليس حقيقة كالحقائق التي ترتبط بهذا العالم الذي نعيش فيه، فالمنطق والعلم والفكر وأي شيء في هذا العالم لا يمكنه أن يبرر سلوك إنسان ضحى رغبة منه في رفع الظلم والتمسك بالعدالة والفضيلة من أجل اللامعنى إذا اعتبرنا أن هذا عالم يوجد فقط في الزمان والمكان دون أبعاد أخرى وإذا كانت سجيّة هذه الطبيعة التي نحن منغمسون فيها لا تبالي بكل هذه القيم وجدت أم لم توجد، فإن ذلك يوصلنا إلى فكرِ أن تضحية هذا الإنسان بلا معنى ولا روح وإنما محض عبث، لكن إذا استبعدنا أن تكون هذه التضحية بلا معنى أو جدوى فلا بد أن ندرك أنها من عالم خارجي لا يعتد بما ينتهجه هذا العالم الدنيوي، إلهام من عند الله حيث عالم يتميز عن عالمنا بمعانٍ مغايرةٍ لقوانين هذا العالم ومصالحه، إننا نحبذ ونستسيغ هذا العمل الغامض ونشعر بالتّهيب والإجلال تجاهه دون أن نبحث عن تفسير لذلك.

قلة قليلة هي التي تُمارس حياتها وفقاً لقانون الفضيلة الذي يطوي معاني كثيرة تتجاوز القيمة المادية للأشياء وهذه القلة هي فخر الجنس البشري وفخر لكل إنسان

إن عظمة العمل البطولي ليست في نجاحه في تحقيق غايته فكثير من الأحيان يكون غير مثمر وغير ناجع ولا في معقوليته لأنه عادة ما يكون غير معقول ولا حتى في كمال أخلاقيته لأن موضوعه الإنسان وأداته المواجهة. لا بد أن يكون وجود أبعاد أخرى لهذه التضحية والبطولة ممكناً فنحن من غير الممكن أن نعتبر النهايات المأساوية للأبطال والمجاهدين نهايات منهزمة بل منتصرة وشجاعة ولكن هؤلاء انتصروا أين؟! أولئك الذين الذي تركوا كل شيء وتركوا قلوب يحبونها تتفطر عليهم وضحوا بأسمى وأعظم حقيقة في هذا العالم وهي الحياة وواجهوا الموت مواجهة دون خوف أو وجل، بأي معنى هم منتصرون؟

من الواضح أنهم ليسوا منتصرين في هذا العالم؛ إن حياة هؤلاء الشجعان وتضحياتهم تطرح في مخيلتنا سؤال شديد الكثافة، هل لوجودنا الإنساني معنى آخر معنى مختلفاً عن محدوديته النسبية أم أن هؤلاء الأبطال مجرد نماذج فاشلة؟ بالتالي فإن التضحية أو أي سلوك أخلاقي إما أنه لا معنى له وإما أن له معنى في وجود الله وليس هناك خيار آخر، فإما أن نسقط هذا المفهوم باعتباره عبثاً وإما أن نخوض في معادلة قيمية تستمد قيمتها من وجود الله وبذلك يكون سلوك التضحية عطفاً على أي سلوك أخلاقي ذَا قيمة ومعنى ومبرراً بشكل مطلق، وبما أننا مؤمنون بخيار وجود الله وقدرته واتساعها اتساعا مطلقاً فإن ذلك يعني بالنسبة لنا أن التضحية في سبيل إيمان أو مبدأ أو قضية عادلة هو أمر عظيم ومسلك سامي غايته محققة الإدراك والوصول.

قلة قليلة هي التي تُمارس حياتها وفقاً لقانون الفضيلة الذي يطوي معاني كثيرة تتجاوز القيمة المادية للأشياء وهذه القلة هي فخر الجنس البشري وفخر لكل إنسان، وصعبة بل ونادرة تلك القدرة على أن نترفّع فوق أنفسنا مستمسكين برحابة ضنك الواجب وطاردين هوى وضيق المصلحة العاجلة وهذه اللحظات التي نمارس فيها هذه القدرة، تمثل الآثار الباقية التي لا تَبلى ولا تضمحل في حياتنا.

ما نمر به اليوم يتجاوز رغبتَنا في التفاؤل أو ارتكاسنا إلى التّشاؤم، ويتجاوز قدرتَنا على التّسامي عن الألم أو رضانا بما نالنا منه، بل يتجاوز اختيار الحرية على الظلم، لأن الراجح أن الحرية لا تنطلق فقط من معناها الذي نتوق إليه، إنما من شيء يشمل هذا ويسمو عليه، من لحظة فارقة يحكمها وعي باطني، من قوة النفس في مواجهة محن الزمان، من التهيؤ لاحتمال ما يأتي به الوجود، من حقيقة تعين على استيعاب هذا الكم من الألم والحزن والضيق وهو التسليم لله.

حياة الضنك والعيش المتعسر تُثيرُ لدى الإنسان انتباها لما حوله وإلى قيمة الأشياء وإلى القيمة المتجاوزة للأشياء، بل قد تثير لديه أسئلة أخلاقية وفلسفية متمركزة حول الذات والوجود
حياة الضنك والعيش المتعسر تُثيرُ لدى الإنسان انتباها لما حوله وإلى قيمة الأشياء وإلى القيمة المتجاوزة للأشياء، بل قد تثير لديه أسئلة أخلاقية وفلسفية متمركزة حول الذات والوجود
 

إن الانتقاص من قيمة التضحية في سبيل ردنا على الظالمين والأعداء، ممن يخضعون ذلك لقياسات القيمة والمصلحة ينتقص استحقاقِنا لمآلات إراداتِنا ومصائرِ خياراتِنا، هذا انتقاصٌ منّا لا يمحو الألم، بل يُضيفُ إليه العار وطعنة في ظهر كل من ضحى من أجل إيمانه بعدالة قضيته واستخفاف بحجم الألآم والمتاعب التي قُدمت في سبيل ذلك.

لا يمكن للإنسان أن يخلع إنسانيته وأن يكون محايداً بالنسبة لقضايا تبدو له أنها في منتهى العدالة والحق وفِي ذات الوقت يتحدث عن العدل والحق والصدق والحريّة، إن هذا يمثل زيفاً أخلاقياً يمارسه المنافقون والغوغائيون وكثير من السياسيين بدافع المصلحة لا بدافع الأخلاق، بل قد يمارسه بعض المثقفين الذي يعتبرون أنفسهم هم الوحيدون القادرون على إنتاج أو تعميم فكرة ما وما ذلك إلا رغبة في إرضاء غرور ذواتهم، إن ذلك تأكيد آخر على حقيقة الأخلاق مثلما يؤكدها حجم التضحيات الجسام والمعاناة النبيلة للثائرين والشهداء المتناثرين على ضفاف طريق الحق والعدالة العسير والنفاق برهان على أن كل إنسان يتوقع سلوكاً أخلاقياً من الآخرين وأن التخفي تحت قناع أخلاقي قد يمنحه ذلك.

حياة الضنك والعيش المتعسر تُثيرُ لدى الإنسان انتباها لما حوله وإلى قيمة الأشياء وإلى القيمة المتجاوزة للأشياء، بل قد تثير لديه أسئلة أخلاقية وفلسفية متمركزة حول الذات والوجود، ذلك على عكس حياة فيها من السهولة واليسر ما هو كفيل بخلق بيئة معادية لإدراك مفهوم القيمة المتجاوزة للأشياء وجدواها وكذا مفهوم التضحية مهما اختلفت تعريفاته أو تعددت زوايا النظر إليه يبقى الشاهد عليه أو المتلوع منه أقرب العارفين به بل قد يكون الحديث أحياناً عن معنى لهذا الألم نوعاً من المزايدة عليهم، لكن لا بد من إدراك أن للتضحية معنى تستقي جدواها منه.