شعار قسم مدونات

الوعظ والتنمية.. أية علاقة؟

BLOGS نصيحة أب لابنة

ربما يظهر العنوان مستهجنا للوهلة الأولى، فالتنمية تبجل التحدي والمغامرة والحياة.. والوعظ يبجل الركون والسلامة والموت. في الوعي الجمعي هما النور والظلمة، الإيجابية والسلبية.. نقيضان فيما يبدو! لكن لا يُغني ظاهر الشيء عن باطنه، ولا المسرح عن كواليسه، وفيما يلي سنرى القواسم المشتركة لأنهما وإن اختلفا فالمنطلقات واحدة. إلا أني، قبل أن أبدا، أحب توضيح أنّ التنميةَ قد تختلف من حيث "الجودة"، وقد تتلمّسون بعض المعايير في هذه المقارنة نفسها، وقد تغيب أخرى لضيق المقام. والشيء نفسه بالنسبة للوعظ، حتى لا نقع في فخ التعميم جرّاء عمومية اللفظ. لنبدأ:

مخاطبة العاطفة والمراهنة على التأثّر اللحظيّ

كلّ من الوعظ والتنمية يخاطبان في الناس جانبهم الانفعالي، والثورة الحماسية، فإن كان الوعظ يعزف على وتر التعبّد والسلامة التامة من الذنوب كسمة للمؤمن الناجح، فإنّ التنمية تعزف على وتر النجاح والسلامة من الفشل والإخفاق، كسمة للإنسان الناجح. نزوع للكمال تارة على جناح الرهبة وأخرى على جناح الرغبة.

 

حزن ونظرة وجِلة، مقابل تفاؤل ونظرة ورديّة. وبما أننا نحب سماع الكمال ورؤية الاكتمال، فهذا هو الجانب العاطفي. إلا أن آثاره مؤقتة جدا، حماسة سرعان ما تتلاشى، لأن الكمالية لا تصلح إلا للقصص! أما التغيير فيحتاج ضبط تلك التفاصيل اليومية المملة وعلى المدى الطويل، ولن يتسنى هذا إلا بالاعتراف المرّ بنقصنا الذي قد لا يُعالجه شيء.

الكلام العام وتجاهل السياقات الشخصية
المزايدة بنماذجَ منتقاة بحجّة رفع الهمم لا تعطينا بعد صفعة الواقع إلا همما منحطّة ونفوسا محطّمة

نعلم أنّ لكل فرد مؤهلاته وسماته النفسية والجسدية، ولكل ظروفه ومطبّاته، لكن الوعظ الديني والتنمويّ يسعى إلى أن يتأقلم السامعون مع خطابه العام وليس أن يتأقلم هو مع السامعين. ربما يكون صعبا أن نخاطب كل إنسان على حدة، لكن ذكر الاستثناءات والحدود الواقعية يقلل هذه الصعوبة. إضافة إلى أن الوعظ لا يكون دائما من فرد لجماعة، بل قد يكون بين فردين، خصوصا في المرافقة الشخصية والتتلمذ.

 

وتجاهل الخصائص الفردية يضع الإنسان في حرج وحيرة كبيرين، لأنه كلما حاول أن يطبّق شعر بخلل ما، إما بالعجز التام وهذا هو الغالب، أو يتجاوزه مع نتائج مضرة له ولمحيطه. وكلما شعر بذلك الخلل، يأتي الخطاب الوعظي ليُحمّله المسؤولية من جديد، بأنه لا همة له، ولا إيمان ولا تفاؤل ولا صبر! مع أنّ لحظة الاكتشاف تلك، رغم سوئها، تشكل لحظة فارقة للمساءلة، الوعي بها يصنع التغيير الحقيقي، فلا علاج إلا بتشريح شخصي واستشعار يقظ بأحوال الذات. فإن كان الشعور المفرط بالذنب عند الوعاظ سبيلا لإصلاح الوضع، فإن إحساس الإنسان بضعفه المتزايد بتأنيب الضمير يحمله على عذر نفسه أكثر ليكون على التغيير أقدر.

التبسيط والاختزال

تبسيط مداخل النجاح، واختزال أسبابه في عدة أمور وقرارات، وتضخيم أثرها على مسيرة النموذج، أو تسطيح حالة المؤمن بإرجاعها لذنب أو عبادة.. وتجاهل مقومات خفية مثل الخلفية الاجتماعية، والظروف المحيطة أو القدرة الذهنية، والقوانين التي لا تجامل أحدا. فهل من المعقول أن نظن أن كتابا عربيا سيبلغ مئات الملايين من المبيعات، ونحن نعلم خصومة العرب مع الكتب، وقرصنة المحتوى، وأمور أخرى، بسبب أن مدربا ضرب لنا أمثلة لكتاب أمريكيين اغتنوا بكتاباتهم فقط؟! ويوم يريد الكاتب العربي إسقاط النموذج، يكتشف ما معنى "التبسيط" بشكل مؤلم.

 

أو من يحلو له أن يحفّز الناس بقصص الصالحين والعباد، وقصص قيامهم الليل وهجرهم المضاجع، وتفرّغهم للقراءة… متناسيا أن وتيرة العصر بَعْثرت معايير النوم الصحي في أوّل الليل مما يجعل القيام صعبا جدا حتى لمصلحة شخصية ووظيفة، فضلا عن الاختلافات بين الأفراد. لكن المزايدة بنماذجَ منتقاة بحجّة رفع الهمم لا تعطينا بعد صفعة الواقع إلا همما منحطّة ونفوسا محطّمة.

أعطوني ناجحا أعطيكم نجاحا

بدل أن يكون "أعطوني نجاحا أعطيكم ناجحا" نجمع حالات النجاح العالمية، لنعود لحياة أصحابها وتفاصيلها، حتى يكون تعثره في الزقاق السابع من حيّه دليلا على مسيرته المبهرة ! أو تكون ارتجالية "الصالح" وغباؤه دليلا على حسن توكله وقوة يقينه بخالقه! هذه عملية استدلالية تحيّزية، أو مغالطة إن شئتم، تقتضي أن نبحث عمّا نريده من الحالات المؤيدة لأطروحتنا، ثم نبدأ بالاستدلال المقلوب.

 

كل شيء صالح لتعزيز النموذج الوعظي والتنموي، حقائق الطب والفيزياء، الآيات والأحاديث، العلوم النفسية والاجتماعية، اللسانيات، والأبحاث المثيرة للجدل، والفرق الإسلامية
كل شيء صالح لتعزيز النموذج الوعظي والتنموي، حقائق الطب والفيزياء، الآيات والأحاديث، العلوم النفسية والاجتماعية، اللسانيات، والأبحاث المثيرة للجدل، والفرق الإسلامية
 

بكلمات أخرى خطوات النجاح التي يقدمون لا تكون مؤدّية للنجاح إلا إذا تأكدنا أن المطبّق لها نجح فعلا. وهذا قريب مما يحصل في أبحاث العلم الزائف حين نضع النتيجة مسبقا، ثم نعود أدراجنا للبحث عن كل غث وسمين لننتصر به لوجهة نظرنا، مع كل ما تحمله تلك العمليات من مغالطات ومبالغات وإقصاء للدلائل المضادة. أو عندما نختار نموذجا سيئا من عائلة الأصهار، لنبدأ استدلالنا على خبث أصلهم. وما أسهل أن نجد ما نحبّ ثم نُلصق له ما نشاء من الأسباب والتفسيرات. والنتيجة هي عَمَى كلّي عن الأسباب الحقيقية لخبث ذاك الصّهر وتجاهلٌ لنماذجَ جيدة منهم رغم اشتراكهم في الأسرة التي فسّرنا بها خبثه، تماما مثل تجاهل نماذج الفشل الكثيرة التي اتبعت المنهج التنموي أو الوعظي نفسه.

كل الاستدلالات متاحة

كل شيء صالح لتعزيز النموذج الوعظي والتنموي، حقائق الطب والفيزياء، الآيات والأحاديث، العلوم النفسية والاجتماعية، اللسانيات، والأبحاث المثيرة للجدل، والفرق الإسلامية، أقوال الشامانات والمشاهير، القصص المشبوهة، تصورات الإغريق، وفلسفات الشرق مع خليط من تقنيات نازا والفيزياء الكمية.. ليس هناك منهج ولا صرامة علمية ولا شمولية في الرؤية، اجتزاء وانتقاء ليصبّ في جمالية الخطابة.

 

هذا والكارثة قد تكون أصلا في الفهم الخاطئ لتلك الأدلة. فلما تسمع واعظا يستدل بعلم سلوك الحيوان على وجود مفهوم الخطيئة أو العدل عند الحيوانات، ولا يفهم ما تستلزمه تلك الأبحاث من تقريرات ودحض لأطروحته نفسها. أو عندما تنبهر بمهارة المدرب في تفسير فلسفات وخزعبلات شرقية على ضوء الفيزياء الكمية، التي هي نفسها تنقضُ أصول تفكيره من أساسها. فأنت أمام هذا النوع من المنطق البهلوانيّ.