قصتي مع العكاز الذي يزعج الجميع!

blog_عكاز

كم تمنيت أن أزيل هذا البلاتين من قدمي وأرتدي ملابسي بشكل الطبيعي، وأن أتقلب في نومي يميناً وشمالًا دون مضايقة أو وجع، كم تمنيت ألّا أرى تلك الوجوه المتقززة عند رؤيته، كنت أتضايق جداً وأشعر بالضجر عندما ينظر أحد إليه ويوحي لي بأنه قد اقشعرّ بدنه وهُزّ كيانه وكأنه سيفقد وعيه أو سيصاب بالغثيان، كأنهم لأول مرة يرون شخص مريضاً يَستند على عكازيه، وتخرج من قدمه قضبان بلاتين ممسكاً عظامه التي تكسّرت، لم يعلموا بأنهم أزعجوني وهزوا لحظتها معنوياتي ومشاعري.

  

اختنقت قهراً وحزناً عليهم وعلى حالهم وليس على حالي، كم هم جبناء وضعفاء، نظرة واحدة هزت كيانهم ومشاعرهم ولم يمنحوني ولو ابتسامة واحدة أعيد بها أشلائي الممزقة في داخلي، فقدتُ قدمي من أجل عشقي للوطن، وهم لم يعشقوا شيئاً لأجلي، تلبدت مشاعرهم عند رؤيتي، كأنني لم أكن كما كنت سابقاً لقد تبدلت تغيرت لم أعد أنا هو ذات الشخص، أحمق من كان يظن ذلك، فهم الذين تجردوا من المشاعر وأصبحوا بلا ضمير.

   
وقفت واستعددت للمشي، فقالت بصوت مرتفع مندهشة "ييييي ما هذا، يا حرام"، ووضعت يداها على خديها، فتركتها في دهشة ومشيت ولم أبالي

كثيرة هي المواقف التي مررت بها من النظرات المقشعرة، ففي مرة كنت في جامعتي أصعد الدرج لأذهب إلى محاضرتي، وأنا أصعد الدرجة الأخيرة بعد أن صعدت فوق العشرين درجة وبعد التعب الشديد والإرهاق، كانت تتواجد فتاة في آخر الممر جالسة وحدها في يدها اليسرى هاتفها وفي يدها اليمنى طعامها، مباشرةً نظراتها اتجهت نحو قدمي فقد كانت العكازتين تلفت الانتباه من بعيد، نظرتُ إلى وجه الفتاة وقد بلعت ريقها ورفعت حواجبها وآثار الصدمة في عينيها وفي جبهتها ارتسمت خطوط الذهول، ويدها اليمنى بدأت بالنزول، فوضعت طعامها على المقعد، أسرعت أنا لكي أكمل الطريق الذي أوشك على الانتهاء للوصول إلى المصعد ولكي لا أزيد على الفتاة صعوبة ما قد شاهدته ولتكمل طعامها بلذة، ولا تضطر إلى الاستفراغ، تذكرت ملامح وجه تلك الفتاة وأنا في المصعد وبالمحاضرة وأنا آكل طعامي.

   

هل قدمي مقززه لهذا الحد، مسكتُ قضبان البلاتين في يدي، وبدأت الحديث معهما من أين أتيت ومتى ستزول لقد سئمتك، ولماذا كل هذه التفاصيل التي ظهرت على وجهها إنها لم ترَ شيئا منكِ فقط بعض أطرافك الجميلة التي تلمع مع أشعة الشمس، هل يا ترى يعلمون أنكِ داخل في قدمي، وأنكِ تخترعين اللحم والعظم، لا أظن ذلك لو  يعلمون لأصابهم الإغماء وأصبحت أحلامهم كوابيس، كيف لو أنهم في كل يوم يذهبون إلى الممرض لتغير الشاش والمعقم وتطهير مكان اختراق البلاتين للجلد واللحم، ويستنشقوا رائحة المعقم الكريهة أو يتحملون لسعاته الحارقة، إنهم لن يتحملوا شيئا من هذا هم أضعف من أن يتحملوا ذلك، عاجزون، وأنا لستُ عاجزاً، أنا استطيع وهم لا يستطيعون.

  

لماذا السلبية تحيط بنا، لماذا تصرفاتنا غير الإرادية والخارجة بعفوية دائما سلبية، هل نحن متجردون من الإيجابية، واحتلتنا السّلبية، لن يجدي التفكير في هذا

إنهم لم يتحملوا نظرة واحدة إلى البلاتين أو إلى ما أعانيه فكيف لهم أن يتحملوا ما عانيت إنها لمفارقة شاسعة، كثيرة هي المواقف المشابهة لهذا الموقف، علمت حينها بأننا نحتاج الكثير وينقصنا الكثير، ففي موقف آخر مررت به، كان مضحكاً ومخجلاً في آن واحد، كنت جالساً تحت ظل إحدى جدار الجامعة، كنت وحيداً، لم يكن بمقداري أن أحضر المحاضرة فبقيت خارجاً، مرت ساعات طويلة وأنا في نفس المكان كان مريحا وهادئاً لا يقربه الكثير.

   

قبل أن أقرر تغيير مكاني بلحظات اقتربت فتاة وجلسَت بجواري على نفس المقعد، لم تنتبه لشيء، كأنني شخص عادي، فلم تكن قضبان البلاتين ظاهرة ولا العكازات، مضت عشرة دقائق.. لا شيء هدوء فقط، عندها قررت أن أغير المكان وألتقي بأصدقائي، التفتت إلى يميني ووضعت حقيبتي على ظهري، ومسكت العكازات في يدي، هنا بدأت الدهشة والترقب بصمت، وقفت واستعددت للمشي، فقالت بصوت مرتفع مندهشة "ييييي ما هذا، يا حرام"، ووضعت يداها على خديها، فتركتها في دهشة ومشيت ولم أبالي، لكن كلماتها بقيت في عقلي تتردد "يا حرام"، أي حرام هذا قدمي، أم كلماتك ودهشتك، هل وجودي بهذا الشكل محرماً أم دهشتك الغير مبرره، وغير محسوبة العواقب.

  

هل ظنت في نفسها أن كلماتها أعجبتني وأنني قد أصبح في أفضل حال من شفقتها وعطفها المُصطنع، كم نحن مجرمون بحق غيرنا، نلقي بالكلمات والتصرفات، دون أدنى تفكير بعواقبها، لماذا السلبية تحيط بنا، لماذا تصرفاتنا غير الإرادية والخارجة بعفوية دائما سلبية، هل نحن متجردون من الإيجابية، واحتلتنا السّلبية، لن يجدي التفكير في هذا.. يا لك من أحمق، تُشغل نفسك في تفكير سخيف، هل سوف يتغير شيء، هل كلماتها سوف تعود كأنها لم تصدر منها، أخرج من نفسك التي كادت أن تقتلك وتعيدك إلى الخلف كثيراً، بعد أن وصلنا إلى كل هذا التقدم، حافظ على معنوياتك، فلن يقاتل معك أحدٌ غيرك، هم فقط عابروا سبيل، وحدك من يقاتل في ساحات حربك.