الحب ليس دائما سيد الحكاية!

جميعنا نبحث في الحُب عمّا سنكون، عن أجزائنا الناقصة الكاملة في عين الآخر الذي سيصير مع الوقت جُزء منا، يبدأ الأمر بالإعجاب غالبا، ولا يصل إلى مرحلة العشق إلا إن رأينا في الحبيب ما لا يُرى بالعين المجرّدة، وبالتالي ما لم يستطع غيرُنا أن يراه، ومتى انطفأ بالحب وهجه نبدأ برؤية العيوب واضحة، فإما سنحتفظ بالنقد لأنفسنا، أو سنرمي الحبيب الذي صار زوجا به ليصبح البيت ساحة معركة والجمهور مجموعة أطفال يكبرون ليشعلوا معركة أخرى في منازلِهم مع زوجاتهم اللواتي كُنّ حبيبات، هكذا تمتدّ الحروب وتُعدى البلاد بالثورات الزائفة مثلها مثل المنازل.. ولا أقصد بهذا أن أعمّم أبداً، فقد يحتفظ الحُب بقيادته لمجريات أحداث الحكاية حتّى النهاية.

ربما لأن الاهتمام يصبح أقل مع مرور الوقت، الوقت الذي يركضُ بك غير آبه بالعلاقة التي احتوتك لفترة ما، أياما، أشهراً، أو أعواماً حتّى، تصير الحاجة أُم العلاقة، ويصبح الارتباط التزاما أكثر من كونه حبا.. هو بالحقيقة سيكون غالبا قد تحول في مرحلة ما إلى رغبة فقط، ثُمّ واجباً لا شعوريا إن فُقدت دوافع الرغبة.

والمصيبة الكُبرى إن كانت العلاقة كُلها قد بدأت بالرغبة لا الحب، لأن ذلك يعني أن هذان الطرفان لن يكونا قادرين على الجلوس معا على طاولة يتناولان فيها نقاشات حياتهما، لا يمكنهما البدء بحوار أصلاً، وإن بدآه فلن يكملاه، وإن أكملاه فلن يخرجا منه بنتائج مرضية للطرفين، ستُختصر علاقتهما بما يرغبه الزوج بزوجته وما تريده منه، ليُنجبا أطفالا لن يشاهدوا معهم فيلما، ولن يخرجوا وإياهم في رحلة عائلية حقيقية، وهذا تعريف الواجب في ارتباط الزواج، الذي قد يظل قائما أو ينهار بنزوة أو حب يداهم قلب أحد الطرفين من طرف ثالث، قد يخون أحدهما الآخر، وقد لا يحصل شيء إلا أن واحدا منهما على الأقل سيشعر دائما بالنقص ولن يعترف به إلا إن دب شجار بكلمات مبطنة يكون معناها عميقا وجارحا جدا.

في علاقات كثيرة تنقلب الأدوار إن طال المشوار الذي جمع كلا الطرفين معا، فيصير مع الوقت الذي كان مندفعا في هذه العلاقة ومتمسكا أكثر بها أقل اهتماما
 

وقد يكون الحب سببا في انهيار البيت، يقبل أحد الطرفين بعيوب الآخر لأنه يحبه، يتنازل له لأنه يحبه، يقبل على نفسه الأذى لأنه يحبه، يتزوجان بدافع الحب متناسيا أحدهما عيوب الآخر، ثم تبدأ العيوب بالتأثير على حياته بطريقة سلبية جدا، يقبلها للسبب نفسه، ومن لم يقل من البداية لا سيضطر أن يهمس بالـ "نعم" إلى الأبد، وهكذا يتمادى الأذى ليصيب الأبناء ويؤثر على حياتهم، وحينها لن يكون الأمر محصورا على رضى الطرفين فقط، فالحكاية تكبر وتتسع الدائرة ويصير الاستمرار كارثة، فيهدم الحب البيت ويكون الفراق الحل الوحيد حتّى لا يُدمّر أفراد العائلة كُل على حدا، وإن حصل فلن يكون من الضروري انتهاء الحب، قد يستمر وقد يكون بالفعل انتهى قبل تلك اللحظة بوقت طويل.

وفي علاقات كثيرة تنقلب الأدوار إن طال المشوار الذي جمع كلا الطرفين معا، فيصير مع الوقت الذي كان مندفعا في هذه العلاقة ومتمسكا أكثر بها أقل اهتماما، بينما يصبح الذي استمر غير مبالٍ لأعوام كثيراً يربط الآن حياته بوجود هذا الشخص بها، يزيد الحب ومعه الحاجة، إدمان التفاصيل الصغيرة، الراحة المطلقة في قربه، الخوف الموحش من فقدانه والهوس بأهمية وجوده اللا متناهي، وغالبا تكون الأنثى المهتم الأول والساعي وراء استمرار العلاقة، تخيط جرحها لوحدها وتشدّ من يده دافعة بكل قوتها الغياب بعيدا عن علاقتهما، تغض الطرف عن نزواته، تعوّض باهتمامها نقص اهتمامه، تنام مكسورة لتَجبِره صباحاً وتكتب في كل يوم نص فراق جديد تعزّي فيه قلبها الحزين.

 

مع الوقت.. يأخذ هو دورها خوفا من أن يخسرها بعد أن عرف أهمية وجودها في حياته خائفا من أن تكون ذكرى علاقتهما الأولى سببا في أن توقظ نخزة افتعلها في قلبها وهذا يحصل وقتما تجيئها الصحوة بعد سكرة حب طويلة، فتحل عليه اللعنة وترحل تاركة ذكريات ماضيهما بحلوها ومرّها تتلاعب بمصير مستقبله وقراراته أو اختياراته القادمة. وفي علاقات كثيرة يكون الحب سيّد الحكاية، لكنه غالبا لا يكفي وحده لضمان استمرارها.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة