هدنة الحريات.. هذا ما يحتاج أهل الضفة لنصرة غزة!

تُقاتل الشعوب لاستعادة الأوطان من الاحتلال وتحريرها والمواطنين من "العبودية" للمحتل الذي استقوى عليهم بالسلاح والتفوق في بعض الجوانب واحتل أرضهم واستفاد وحده من خيراتها وثرواتها؛ وقبل ذلك سلبهم الحرية وفي أخرى سلبهم "الحياة" (سواء بالسجن أو القتل)، وما قيمة الحياة بلا حرية إنما كـ "صحراء قاحلة" لا حياة فيها ولا بقاء.

ولكن الوضع في فلسطين المحتلة، وتحديدًا الضفة الغربية، يختلف بعض الشيء ويميل إلى القتال "شعبيًا وسلميًا" للحصول على "هدنة الحريات"؛ تلك التي ستُضفي على الأجواء "نكهة خاصة" تسمح للمواطن بأن يخرج ويتظاهر "سلميًا" لنصرة شقيق له في قطاع غزة سُلبت الحياة منه عنوة عبر طرق شتى؛ أبرزها "العقوبات" أو "الإجراءات العقابية" المفروضة على القطاع منذ أكثر من عام، من قبل السلطة الفلسطينية.

وليس غريبًا على الشعب الفلسطيني، والأمر غير مستبعد، أن يصنع "ميدان تحرير" آخر في أي مدينة فلسطينية، ولن يكون ذلك الأمر حصريًا على شعب مصر ورجالها أو تونس وشبابها. فشباب فلسطين هم من صنعوا الثورات وعلموا الآخرين كيف تكون جولات القتال والتحرير، ولنا فيما يحصل على حدود قطاع غزة منذ أربعة أشهر أكبر وأوضح دليل.. ولعل الثورة الفلسطينية مثالًا وشاهدًا على ما نقول أيضًا، وما الحرب التي خاضتها غزة مدافعة عن حقها في الحياة الكريمة ودفعًا للظلم والاعتداءات المتكررة بحق فلسطين ومقدساتها إلا مثالًا آخر يحتذى به بل ويجب أن يدرس في جامعات العديد من الدول العربية التي تركض حاليًا خلف "صفقة القرن" التي ما أوجدت إلا لسلب ما تبقى من حقوق وثوابت فلسطينية.

يتواصل الحصار بمختلف أشكاله على غزة منذ عام 2006؛ والذي أسفر هو الآخر عن وفاة المئات من الفلسطينيين الذين لا حول لهم ولا قوة

غزة؛ تلك الجريحة التي ضمدت جراحها وحدها، وخاضت جولات القتال وحدها، وقدمت ما قدمت للوطن وفداءً لطريق حرية مفقودة تبحث عنها لوطن سليب بين آهات جرحى مُنعوا من العلاج وأوجاع أطفال وشيوخ مُنع عنهم الدواء والغذاء.. تلك البقعة التي تعددت فيها أسباب الموت.

وقد تعرض قطاع غزة لثلاثة حروب مدمرة؛ (2009، 2012 و2014)، أودت بحياة 3 آلاف و920 فلسطينيًا؛ بينهم 1030 طفلًا و604 سيدات. وتركت تلك الحروب قطاع غزة رقعة أرض تستحيل معها الحياة؛ لا سيما بعد الدمار الذي لحق بكل البنى التحتية، لم تسلم منه المشافي والمدارس والبلديات.

ويتواصل الحصار بمختلف أشكاله على غزة منذ عام 2006؛ والذي أسفر هو الآخر عن وفاة المئات من الفلسطينيين الذين لا حول لهم ولا قوة.. وفي خضم هذا وذاك ارتقى لجوار الرحمن أطفال وشيوخ بسبب منع الحليب والدواء، جرّاء إجراءات عقابية قررتها السلطة الفلسطينية وحكومتها في الضفة الغربية المحتلة، لذلك فإن الموت في غزة "واحد" وله من الأسباب الكثير. لأجل كل تلك التضحيات خرجت الجماهير في عدة مدن بالضفة الغربية، وهتفت لغزة وحدها ودعت لرفع العقوبات عنها ونادت لرأب الصدع الفلسطيني وإنهاء الانقسام وتحقيق وحدة وطنية قد طال غيابها.

وفي وسط تلك الزحمة بات المواطن والصحفي على حد سواء يطالب الآن بـ "هدنة" لكي يستطيع التعبير عن رأيه والخروج نصرة لشقيق له مات واقفًا في غزة، وإيصال رسالة للعالم أننا ضحية أطول احتلال عرفه تاريخ البشرية. الهدنة؛ التي تتم في الحروب "وبين الأعداء فقط"، وتستمر لفترة من الزمن يسعى كلُّ طرف فيها لتحقيق أهداف والتخطيط لما بعدها، وربما يلجأ لها طرف من الأطراف لـ "لملمة" جراحه وترميم جبهته الداخلية، لخوض جولة أخرى من القتال أو لترتيب أوراقه لـ "مفاوضات" تقود إلى تهدئة.

ولكننا في الضفة الغربية نريد هدنة من نوع آخر، توقع بين الفرقاء، ويكون الهدف منها وقف ملاحقة المواطنين والنشطاء ووقف قمع الفعاليات الشعبية، لكي يتسنى للشعب في الضفة الغربية الدفاع عن المسجد الأقصى ونصرته في وجه التهديدات التي باتت واقع على الأرض، وفي وجه مشاريع التهويد التي نهشت من قدسيته الكثير الكثير، والتي أصبحت كالسرطان تنتشر في كل الأجزاء، ولا تترك حيًّا ولا زقاقًا إلا وغيرت وزوّرت تاريخه.. وسط خذلانه من قبل الأوساط الرسمية، وأحيانًا الشعبية، العربية والإسلامية على حد سواء. هدنة تتيح للنشطاء الدفاع عن الأسرى في سجون الاحتلال، والذين يذوقون المرّ ليل نهار، وباتوا (الأسرى) لوحدهم يخوضوا الجولات والصولات بلا مناصر خارج سجون لم تشهد لها مثيلاتها عنصرية في شتى بقاع الأرض.

فالقدس والأقصى والأسرى، قضايا استخدمها البعض وما زال لأغراض انتخابية ولحصد المزيد من النصرة الشعبية وزيادة الجماهير حوله، باتت تلك القضايا، والتي هي من المكونات الأساسية لقضيتنا العادلة "فلسطين"، تأنّ لوحدها ويُحارَب كل من يخرج لنصرتها في الضفة.

الناظر اليوم لأحداث الساعة وما يدور على الساحة الفلسطينية، والوعي الذي وصل له شباب فلسطين، يدرك تمامًا أن الشباب الذي سكت كثيرًا لن يسكت طويلًا
 

نريد هدنة توفر الحماية للشباب والنشطاء الذين سخروا جلّ وقتهم للدفاع عن قطاع غزة؛ الذي تُحاك ضده العديد من الخطط العنصرية في فحواها والتي توحي إلى أن واشنطن وحلفائها في المنطقة باتوا يستخدمون غزة ومعاناتها للضغط على الفلسطينيين للقبول بحلول تجتزئ من حقوقنا الثابتة كـ "فلسطينيين"، وتعرضوا (النشطاء) للمضايقات والاعتقالات.. وتضمن للطلبة استكمال مسيرتهم الأكاديمية دون توقف قسري في محطات أقبية التحقيق والزنازين.

هدنة تعيد للضفة أمجادها وتاريخها العريق الذي خطّته دماء الشهداء وأرواحهم من مختلف فصائل العمل الإسلامي والوطني؛ لا سيما مدينة نابلس وبلدتها القديمة وجنين ومخيمها الثائر، والتي اختلطت وتعانقت فيه الدماء لترسم صورة مجد وتثخن في العدو (الاحتلال) الجراح وتذيقه مرّ العيش وعلقم الحياة.

نهاية المطاف، لن يسمع صوتنا أحد فالضفة أُريد لها أن تكون كما هي الآن، لا صوت فيها يعلو فوق صوت "السلام العادل" الذي ما جلب عدلًا ولا أمنًا، وساهم في قتلنا دون محاسب وقوَّى من شكيمة الاحتلال؛ الذي ما وفّر من جهده ووقته إلا وسخّره للتنكيل بنا شيوخًا ونساءً وأطفالًا.. وفي كل مرة يطلب منّا أن نُقتل ولا نصدر صوتًا يُعبر عن آلامنا وما يُرتكب بحقنا. ولكن ضفة العهدة العشرية لن تسكت عن ظلم ولو طال، ولكم في المقاومة بما نفذت وما خططت ولم يكتب له النور خير دليل؛ فهي لم تسكت عن محرقة دوما ولم يسكت أبطالها على انتهاكات في القدس والأقصى.

"صفقة القرن" يجب ألا يتم محاربتها وإفشالها بـ "قمع الحريات"، حتى وإن كان القمع بـ "لباس مدني"، وإنما يتم إفشالها ورفضها وترسيخ ذلك في عقول ونفسيات الشباب قبل الشيوخ والأطفال

ويقع علينا كنشطاء وإعلاميين، وسط الخذلان الذي بتنا نراه في الشوارع وكل الأزقة، أن نبادر ولو بـ "أضعف الإيمان"؛ بأن نُسخر أقلامنا لهدف يوازي محاربة الاحتلال وأن نحاول إعادة الضفة لمسارها الصحيح.. نذكر مجتمعنا دومًا بجريمة حرق الطفل الرضيع علي دوابشة ومن قبله محمد أبو خضير وعشرات الأطفال في قطاع غزة.. نروي للشعب قصص البطولة على الحدود الشرقية لقطاع غزة مع أرضنا المحتلة (الداخل المحتل عام 1948).

الناظر اليوم لأحداث الساعة وما يدور على الساحة الفلسطينية، والوعي الذي وصل له شباب فلسطين، يدرك تمامًا أن الشباب الذي سكت كثيرًا لن يسكت طويلًا.. ولكننا نعي تمامًا أن الهدف الذي يسعى له الشباب وحراكهم في الضفة اليوم يختلف عن مسعى وسعي شباب ميدان التحرير في مصر ومن سبقها وتبعها، ففي مصر ثار الشباب ليطيحوا برئيس ونظام مصر السابق (أو قل البائد إن شئت) الذي تواطأ كثيرًا على مختلف الأصعدة والجهات الداخلية والخارجية، ولكن شباب الضفة خرجوا عن صمتهم وصاحوا في وجه من صاحوا بأنهم لا يسعون إلا لتغيير الواقع إلى آخر أفضل منه، ورفع العقوبات عن غزة وإنهاء الانقسام المستمر منذ 11 عامًا.

طريقة استقبال "جيل المستقبل"، الذي يسعى لتحرير الدولة وصنع الأمل الذي بات مفقودًا في الآونة الأخيرة، بالعصي والهراوات كما أظهرت العديد من وسائل الإعلام، هي طريقة متداولة في بداية قمع التظاهرات والحراك الشبابي في معظم الدول العربية ولكنها لا تولد الضعف أبدًا. وشباب فلسطين سيسعى لتحقيق آماله في أي قضية كانت؛ الانقسام الداخلي أو قضية الأسرى المتجددة ورفع العقوبات عن غزة، أو غيرها من القضايا التي تعودنا دومًا على أن يحملها الشباب بكل قوة وحزم ويسعى لتحقيق أهدافها الوطنية.

ولأننا نعيش الواقع "حرفيًا" وندرسه من كل الجوانب، فـ "صفقة القرن" يجب ألا يتم محاربتها وإفشالها بـ "قمع الحريات"، حتى وإن كان القمع بـ "لباس مدني"، وإنما يتم إفشالها ورفضها وترسيخ ذلك في عقول ونفسيات الشباب قبل الشيوخ والأطفال عبر تحقيق الوحدة الوطنية ومد يد العون للشعب بأن يُمنح حرية الرأي والتظاهر والتعبير، دون المساس بالثوابت، وإنهاء الواقع المأساوي في غزة.. لكي نسبق الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها وكل من يتربص بالقضية الفلسطينية ويُحاول استغلال أزمات غزة، ونفوت الفرص التي تستهدف تصفية قضيتنا العادلة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أعلنت وزارة الأمن الداخلي الإسرائيلية أن موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" أغلق مؤخرا حسابات لقادة بحركة المقاومة الإسلامية "حماس" الفلسطينية وحزب الله اللبناني، استجابة لطلب وزيرها جلعاد أردان.

بعث سبعة مندوبين أميركيين سابقين لدى الأمم المتحدة رسالة إلى وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو حثوه فيها على استئناف تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا).

أقر الكنيست مشروع قانون يسمح لإسرائيل باحتجاز جزء من عائدات الضرائب الفلسطينية يساوي قيمة الأموال التي تدفعها السلطة الفلسطينية لأسر الشهداء والأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.

الأكثر قراءة