مضادٌ حيويٌّ للرشح لو سمحت!

طوال عملي في مجال الصيدليات العامة على مدى تسعة أعوام مضت، عاصرت الكثير من الظواهر التي تظهر مستوى الوعي الصحي في المجتمعات، ومنها السؤال المتكرر بشكل شبه يومي عن مضاد حيوي للرشح، فما العلاقة بين المضاد الحيوي والرشح؟

 
يعرف عن المضاد الحيوي أنه مادة كيميائية تنتجها بعض أنواع الفطريات والميكروبات الأخرى، وتعمل على مقاومة البكتيريا دون أن تسبب الضرر لخلايا جسم الإنسان، ومعروف تاريخيًا أن مضادات الميكروبات تم اكتشافها واستخدامها في نهايات القرن التاسع عشر، لكن اكتشاف العالم ألكسندر فليمنغ للبنسلين في النصف الأول من القرن العشرين قلب كل الموازين، وأنقذ حياة الآلاف من الناس في ذلك الوقت، حيث كانت أمراض مثل التهاب الرئة والإسهال الناتج عن التهاب بكتيري في الأمعاء هي القاتل الأول للمرضى في دول أوروبا قبل الحرب العالمية الثانية.

 

المضادات الحيوية لا تعمل في حالات الرشح، ولا في نزلات البرد، ولا في حالات الحساسية المختلفة كحساسية الأزهار وغيرها، لذلك فإنني لن أعطيها لك

واستمرت الأبحاث حول البنسلين فظهرت منه أصناف جديدة مختلفة أكثر فعالية، كما تم اكتشاف أنواع أخرى أكثر قوة وانتقائية في علاج الأنواع المختلفة من البكتيريا المسببة للأمراض، وأصبح المضاد الحيوي في متناول اليد في مختلف بقاع الأرض، وصارت كثير من الأمراض القاتلة تعالج بسهولة عن طريق تناول هذه الأدوية بجرعات محددة لفترات قصيرة نسبيًا دون أي مشاكل تذكر، لدرجة أن البعض اعتبرها علاجًا سحريًّا للكثير من الأمراض.

  
تحدثنا عن المضاد الحيوي، لكن؛ ما هو الرشح؟ الرشح واحد من أكثر الأمراض شيوعًا في كل المجتمعات تقريبًا، وغالبًا ما يصيب الناس في فترة التقلبات الجوية، وتشمل أعراضه سيلان الأنف واحتقانه، وقد يصاحب ذلك صداعًا في الرأس وضعفًا مؤقتًا في حاسة الشم، وقد يصاحبه سعالٌ أو جفافٌ في الحلق أو احتقان في الأذن، بالإضافة إلى ارتفاعٍ طفيفٍ في درجة حرارة الجسم، وسبب الرشح فايروس يصيب الجزء العلوي من الجهاز التنفسي، وله سلالات كثيرة، ويتم علاج الرشح عادةً باستخدام أدوية تخفف من الأعراض المزعجة التي يسببها مثل مضادات الهستامين ومضادات الاحتقان مع مسكن للآلام، ولكن مهلاً؛ هل طلبت مضادًّا حيويًا للرشح؟ 

 
بكل بساطة فإنني سأخبرك أن المضادات الحيوية لا تعمل في حالات الرشح، ولا في نزلات البرد، ولا في حالات الحساسية المختلفة كحساسية الأزهار وغيرها، لذلك فإنني لن أعطيها لك، قد تردّ عليّ: لا بأس سآخذها فإنها إن لم تنفع فلن تضر، وهذا اعتقاد شائع آخر أن المضاد الحيوي لا ضرر له، بل إن أضراره كثيرة، أولها: تحفيز البكتيريا الموجودة في الجسم على إنتاج سلالات بكتيرية مقاومة للمضاد الحيوي، وتسبب التهاباتٍ يصعب علاجها بنفس الدواء، بل نضطر إلى استخدام مضادات حيوية أكثر قوة لنقضي عليها، وقد تؤدي بالمريض إلى مضاعفات خطيرة قد تؤدي إلى الوفاة، وثانيها وليس آخرها: أنها تضر بالبكتيريا النافعة الموجودة طبيعيًا في الجسم، والتي تساعد في هضم الأطعمة وامتصاص المواد المغذية فيها، وتحمي الجسم من الكثير من الأمراض، وتساعد على المحافظة على التوازن الطبيعي في جسم الإنسان.

 
إذن فكبسولة المضاد الحيوي ليست تلك الكبسولة السحرية التي ستحل مشاكلنا الصحية المختلفة، إنما هي كقنبلة موقوتة، قد يظهر ضررها بعد حين دون أن يكون في الحسبان، لذا علينا الاستفادة منها بحذر، وأخذها عند الحاجة إليها فقط، بوصف المختص، وفي مواعيدها المسماة، وجرعاتها المحددة، ودمتم بخير وصحة وعافية.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أظهرت دراسة طبية حديثة أن تناول الأطفال والبالغين خمسة أنواع من المضادات الحيوية الشائع استخدامها يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بحصوات الكلى من الأشخاص الذين لا يستخدمون هذه الأدوية.

الأكثر قراءة