ساحة جامع الفنا.. الكون المصغر للمغرب

المغرب، بلدي الذي عشت فيه طوال حياتي، أحببت فيه لأول مرة، سافرت فيه وجلت فيه، بكيت فيه، فشلت فيه ونجحت فيه، تربيت وترعرعت وسط ألوانه وموسيقته الفريدة، غير أنني أقف بين دروبه مندهشا بجماله كأنني سائح يحل به لأول مرة، فالمغرب يبقى دائما سرا غامضا ومفاجئة حتى لسكانه، أجد صعوبة في الكتابة عنه لا لنذرة الأفكار حوله بل لزخمها الكبير وخوفي من أن لا أعطي لكل واحدة حقها، المغرب الذي كُتبت حوله مجلدات أكيد لن تعطيه مقالة واحدة حقه، غير أنني سأحاول اخدكم في جولة عبر تاريخه انطلاقا من ساحة جامع الفنا بمراكش.

عندما تكونون هنا ستعلن الثقافات تشكيلة أنسجتها المتجانسة وسترتفعون بعيدا، ذلك هو سحر ساحة جامع الفنا إنها الكون المصغر لبلدنا المغرب، لكنها كذلك أكثر من مجرد ساحة، إذا صادفتموها في الساعات الباكرة عندما ترسو أولى خطوط الشمس على جلدها، ستجدون أنها قادرة على أن تفوح بإحساس أمومي من السكينة والهدوء، السعادة تصطبغ بمسحة من الحزن، وهذا نوع ناذر من السعادة، هنا يكمن سر غموضها.

في أولى خطواتكم في ساحة جامع الفنا من مدخلها الشمالي ستصادفون رمزا من رموز المعمار المرابطي القديم، صومعة مسجد الكتبية تقف بشموخ تراقب الساحة من بعيد

الزائر لها لأول مرة سيندهش بتنوع الثقافات هنا، فِرق فلكلورية من كل بقاع المغرب، كل فرقة تحكي بموسيقتها قصة معينة عنوانها الانتصار على الحزن ونسيان خيانات الفرح السابقة، ساحة جامع الفنا تلبي احتياجات كل روادها، هي أخت السائحين وأم الفنانين، هي مصدر رزقهم وإن تمردوا عليها ذات يوم أملا في العمل خارج أسوارها، فهي لا تقلق وتقبل عودتهم بأياد منبسطة، عليكم أن تعتادوا على تقلباتها ففي بعض الأحيان تكون عروسة شابة وفي أحيان أخرى مسنة، تارة مليئة بحيوية طفل وتارة شاحبة كامرأة حديثة الولادة، لكن وحتى في أسوئ حالاتها لا تكون خطيرة.

 

هي ذات نزوات مرتبطة بتقلبات مجتمعنا، لكن غالبا ما تكون سعيدة والناس يتقاطرون عليها سعيا لمشاطرتها بهجتها، إن جوها المحموم الناتج عن انصهار عناصر كثيرة هو خلق لرغباتنا نحن، نحن كلنا سياحا أم سكانا لنا نصيب في تشكيل سحرها، سحرها الذي يُلقى عليك ولا يدعك وشأنك إلا بعد أن ينقل لك فيروس السعادة، جامع الفنا هي المغرب بشكله المصغر هنا يولد الجمال وهنا تعاد صياغة الزائرين عليكم فقط أن تنظروا لها بعيني طفل وحينها ستنسجمون مع نغماتها، الساحة نقطة لقاء جميع الأطياف الذين مروا ويواصلون المرور بها إنها مغربية صحراوية متوسطية أمازيغية عربية غربية إنها المغرب.

في أولى خطواتكم في ساحة جامع الفنا من مدخلها الشمالي ستصادفون رمزا من رموز المعمار المرابطي القديم، صومعة تقف بشموخ تراقب الساحة من بعيد لأزيد من عشرة قرون دون كلل أو ملل، إنها صومعة مسجد الكتبية التي سميت كذلك نسبة لباعة الكتب الذي ذكرت المؤرخات أنهم كانوا يعرضون سلعهم بجانب المسجد، مسجد الكتبية وغيره من المأثر التاريخية بالمغرب التي بناها المرابطون تؤكد على جمالية نمط العمارة الذي امتازوا به والذي لازال يُدرس بمدارس الهندسة المعمارية بالمغرب، حكم المرابطون المغرب قرابة قرن من الزمن اتخدوا فيه مراكش عاصمة لمملكتهم التي امتدت للأندلس ولعل المأثر التي لاتزال بالأندلس الان خير دليل على براعة الهندسة المرابطية وجماليتها.

غير بعيد عن مسجد الكتبية، ستجدون تشكيلة من العربات المجرورة بالخيول الملقبة بالكوتشي، خيول بربرية أصيلة يُعطي سماع صهيلها إحساسا بالبداوة والعودة للأرض، عشرات العربات تقف في انتظام منتظرة الزبائن، كل عربة تحكي قصة مختلفة عن الأخرى، سائقون من مختلف بقاع المغرب جمعهم هم العمل والأمل في غد أفضل، تختلف اللهجات بينهم وتتوحد عند ظهور زبون مرتقب، كلهم يتقنون اللغات الأجنبية رغم عدم دراستهم لها أكاديميا ضاربين مثالا في الكفاح والعصامية في سبيل العمل.

إن زيارة المغرب تمر بالضرورة بزيارة ساحة جامع الفنا، فجامع الفنا توفر لكم عدة رحلات لمناطق من المغرب دون زيارتها في الواقع
 

بعد خطوات من العربات، ستجدون أنفسكم بين احضان جامع الفنا الدافئة، كلما وطئت قدمي الساحة يعتريني احساس بالعودة للأصل، "جامع الفنا هي والدتنا" هكذا وصفتها احدى العرافات اللواتي ينتشرن بين الساحة، تقرأن الطالع وتبيعنَ الوهم الجميل في أمل قادم لزبائنٍ كيفما كانت درجة حداثتهم إلا وينصاعون لتوسلاتهن في استنجاد الزبائن، عرافات وبسبب تغير الوقت وتلاشي الخرافات احترفت البعض منهن فن النقش بالحناء، الحناء التي تأتي من صحراء المغرب وتزين أصابع الزوار، فتبدو لك الساحة من بعيد مزركشة بأناملهن كلوحة فنية رسامها غير معروف ومكان عرضها واسع ويعبق برائحة الحناء.

وتنتشر وسط الساحة حلقات، كانت في الماضي القريب الوسيلة الوحيدة للترفيه، كأنك تتحول بين باقة من القنوات المتنوعة، حلقة الرقص المراكشي وعلى بعد خطوات حلقة للموسيقى الأمازيغة السوسية وأمامهم حلقة للرقص الشعبي المغربي، وبينهم حلقة لفن كناوة الصويري، هذا التنوع الفلكلوري يجعل الزائر مسحورا ومندهشا بغنى ثقافة المغرب وتنوعها.

اتذكر قولة في رسالة من فرانس كافكا لحبيبته ميلينيا "كلمات كثيرة لأنني لا استطيع لمسك"، هاته القولة تصف حقا ما أحسه به الأن، زخم من الكلمات في مفكرتي لوصف سحر المكان، لكن كيف السبيل لكتابتها كلها، إن زيارة المغرب تمر بالضرورة بزيارة ساحة جامع الفنا، فجامع الفنا توفر لكم عدة رحلات لمناطق من المغرب دون زيارتها في الواقع. وخير ما أختم به القولة التي وردت على لسان الكاتب الإسباني غويتيسولو أن الساحة "لا نظير لها عبر العالم".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة