بلا وطن.. وبحرية كاملة!

الغربة.. ساحات ومواقف خاصة ومتنوعة تجعل الإنسان منا أكثر قربا من ذاته؛ وأشد التصاقا بهويته ومبادئه الصائبة وكذلك يصبح أكثر نضجا وجهوزية للتخلي والتعديل وفق المنطق والتجارب السليمة، وبينما يتجول الإنسان في تلك الساحات ويعايش تلك المواقف يدرك بشكل أكبر حجم الوطن رغم غزارة جراحه؛ ويتحقق عبرها -الغربة- من قوة أو ضعف العلاقة بين ذاته من جانب وبين أشياء كثيرة من جانب آخر.

كل ما تقدمت به وزيادة يحدث في الغربة لأنك تزداد خبرة؛ وتزداد مساحة الصراحة مع الذات؛ وبالبعد الناتج عنها تصبح نظراتك وقناعاتك أشمل أعم وأعمق وأكثر حرية؛ فأنت الذي خرج خارج الصندوق وبدء يتابع زواياه وأركانه بشمول من الخارج بينما كله إلا الجسد والعقل في الداخل. وهنا أحببت أن اعرض فقرة من موقف وجانب من ساحات الغربة، وفيها كانت المعاملة روتينية معتادة؛ قد خضناها مرات قبل ذلك؛ لكن الغير معتاد هذه المرة؛ أنه وفي خانة الدولة كتب أمام اسمي وبياناتي "بلا وطن" نعم "فتن سيز".

بصراحة ورغم أن وطني مسلوب ومنهوب ومخروب منذ عرفنا طعم الحليب وأشعة الشمس؛ لكن الأمر استفزني أيما استفزاز وأشعل في داخلي نارا بحجم سنوات الكفاح والدم المسكوب لأجله ولاجل أن نقول للعالم كله "لنا وطن وهم الغرباء؛ وسيرحل الغرباء". فورا وبعد إعادة للقراءة والتدقيق؛ عدت للموظف المختص سائلا ومستفسرا ومتعجبا، فقد حصلت على ذات الوثيقة عدة مرات دون وقوع ذلك الخلل -الكارثة- القاهر.. فما الأمر؟ أم أن "صفقة القرن" انطلقت مبكرا ومن حيث لا نعلم!

ربما بلا شعور وبكامل الصدفة وجدنا أنفسنا في عمق المقارنة بين بلد الغربة وبلادنا، فالإنسان بكل مكوناته ومبادئه وعقائده يساوي صفرا كبيرا إذا فقد حريته

وفوق النار سكب البنزين ذلك الموظف التركي الغليظ –لا يمثل إلا ذاته-؛ حينما رد على استفساراتي ردودا وقحة مصحوبة بالصراخ الفج الغير مبرر!؛ رغم شدة الاحترام والذوق الذي راجعته به؛ مستفسرا عن الخلل -الكارثة- الذي يعد شيء كبير من وجهة نظر أي مواطن نحو وطنه؛ فما ظنكم إن كان الوطن معبق بالدم والعرق والويلات! سريعا وبدون تفكير وأمام وقاحة ذلك الموظف الأحمق؛ تخليت عن كل أنواع الذوق وأشكال الهدوء وانطلقت بالرد عليه بذات المستوى الصوتي وبكل ما يلزم من الكلمات والعبارات المؤدبة والمؤدبة لأمثاله؛ وسريعا سريعا تطور الحدث ليصل الأمر إلى استدعاء الشرطة ومدير الدائرة من قبل الموظف من باب الترهيب -فكانت عليه وبلا- والإرهاب لا من باب إننا مذنبين!

وما أن وصلوا -الشرطة وضابط الدائرة- حتى وصل وجه آخر للمعاملة؛ وجه اعتدنا عليه خلال أغلب معاملاتنا الرسمية داخل الجمهورية التركية، فهموا منا واستمعوا جيدا لنا؛ ثم اعتذروا عن الخطأ أولا وعن سوء الموظف وسوء تمثيله للدولة ثانيا؛ ثم أعادوا استخراج المعاملة وفق شكلها الصحيح المعتاد.. ثم انطلقنا. وبينما نخرج من بوابة المبنى الرئيسية؛ همس لي أحدهم: "لو كنا في بلادنا؛ ما فعلنا ذلك وما استطعنا الرد على خطأ ووقاحة موظف برتبة شرطية وما أنصفنا ولا سمع لنا مديره! ولو فعلنا جزء مما حدث لكنا خلف الشمس!"، فقلت له كنت فيما مضى من التجارب؛ لا أستطيع طلب الماء ولا الحمام ولا السؤال عن سبب وجودي في سجن من سجون إحدى الشقيقات الكبيرات!؛ لأن الاخلاق هناك مفقودة والقانون مسحول والدين للبرستيج والإعلانات الرمضانية، أما هنا يا صديقي فالدولة والحق لهما قانون؛ يحرس المطالب بحقه ويوفر له حصانة وحرية وانصاف.

ربما بلا شعور وبكامل الصدفة وجدنا أنفسنا في عمق المقارنة بين بلد الغربة وبلادنا، فالإنسان بكل مكوناته ومبادئه وعقائده يساوي صفرا كبيرا إذا فقد حريته وقيد حقه في التعبير وأخرس صوته الصادق، بينما لا يضر الإنسان ولا يعيبه إن طال ليل الاحتلال والظلم على وطنه؛ ما دام لوطنه منتمي وعنه مدافع ولأجله مناضل من فوق كل المنابر وفي جميع المحافل، فالحرية من أقدس مقدسات النفس التي بها تحلق وتسمو وتسطر البطولات حتى وإن كانت بطولات متواضعة؛ لكنها تنتج للمرء احترام الذات وتعزز فيه قيمه، وبدونها -الحرية- تمسي النفس جبانة مقهورة ومتصارعة وفاقدة لاحترام ذاتها قبل احترام الغير؛ كما يجعلها تكفر بكل القيم والمبادئ تحت سطوة الظلم وغياب الحريات واغتصاب الآراء.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة