اغتراب وألم.. الغربة ليست كما تظنون!

عندما كنت صغيرة كنت أعشق مشاهد المسلسلات التي تدور فكرتها حول رجل فقير أحبَّ فتاة ثم لفقره رفضته، بعدها يغيب سنوات في الغربة ليعود غنياً يشتري السيارات والفيلات ويمتلك الشركات ويفرح فيه أهل بلدته ويقفون له تحية تعظيم فقد "عاد البيه الكبير" من غربته، لكن للأسف ما شاهدناه بالأمس في تلك المسلسلات لم يعد موجوداً الآن. فالغربة لم تعد كذلك! نحن لا نجرُف الأموال ولا ندّخر الذهب بل لنكن صريحين نحن نواجه عقبات كبيرة في الغربة.

في الغربة الحياة باهظة للغاية فالمغترب يضطر لدفع فواتير شهرية لا عدد لها فهناك إيجار البيت وخدمات المجمع الذي تسكن فيه، فواتير الإنترنت والهاتف، فواتير الكهرباء والماء، فواتير التأمين الصحي، الضريبة، مدارس الأولاد، وقود السيارة، حتى القمامة التي يخرجها بيتك تدفع ثمن جمعها وتدويرها، ربما ببلادنا وأوطاننا هناك القريب والجار والصديق فلا بأس إن تأخرت يوما عن دفع فاتورة ما، لكن الأمر في الخارج ليس كذلك فلكل فاتورة موعد محدد إن تأخرت بدفعها ستتوقف بطاقتك الضريبية وستضطر مرغماً لدفع غرامة التأخير، هذا طبعا لا شيء أمام الأسعار الباهظة لكل من حاجيات السوق والملابس وأغراض البيت وياحبذا لو فكرت باقتناء قطعة أو تجديد أثاث بيتك!

الغربة تغربل لك الصالح والطالح من الناس ولكن بعد قرصات كبيرة تجدها من معظم الأشخاص الذين يدخلون حياتك. فاليوم تمد له يدك وفراشك وسفرتك ليمد لك لدغة أفعى، كما قال أحدهم لا تتفاجأ إن أهديت أحدهم عصا ليتكأ عليها، فجش بها رأسك يوما ما! وللأسف لا تصادف مثل هذه المواقف إلا من أبناء عروبتك بل أحياناً تجد الأجنبي أحن عليك من أبناء بلدك. فأنت في أرضهم يستقبلونك بكل صدر رحب ويمدون لك يد المساعدة بل يفتحون لك بيوتهم وعملهم. وجارك العربي ربما لن يطرح عليك السلام وسيجاهد بكل قوته ألا يحتويكما مكان عمل واحد وأجر واحد، طمع غريب على أرض ليست لنا، لا أدري نحن على ماذا نتنافس فكلنا مغتربون وكلنا "في الهوى سوى". هل تعلمون نحن في غربتنا ندفع المال حتى يكشف لنا معدن وأصالة الناس.

الغربة مثل الورود مليئة الأشواك التي تسعدك ريحها الطيبة ولكن لا تستطيع الاقتراب منها أو قطفها
 

في الغربة نحن نجاهد حقا في تعليم وتربية أبنائنا وسط بيئة غير بيئتنا الإسلامية والعربية. بغض النظر عن كل ميزات التعليم لديهم وأخلاقيات الإنسانية التي يمتكلونها ولكن لا نستطيع إنكار اختلاف الثقافات والعادات بيننا وبينهم. نحن مجبرون يوميا على تقديم شرح وتفصيل لأولادنا لكل ما قد يرونه ربما في الطريق أو في المدرسة أو حتى لو قررنا الذهاب في نزهة عائلية. طفلي لم يكمل الخمس سنوات وهو دائم الاستفسار حيال الكثير من الأمور التي قد يفعلها زملاؤه في المدرسة وهو لا يستطيع فعلها.

 

قبل عدة الايام عاد إليَّ حزيناً لعدم مشاركته في احتفال مدرسته وكل زملائه سيشاركون. لا أنكر لقد بقيت عاجزة لوقت طويل وأنا احاول تركيب الكلمات لإقناعه بأن هذا احتفال ديني لا يناسب ديننا ولا نستطيع المشاركة فيه. لا أعرف تملّكني خوف كبير وقتها فلا أدري اليوم قد أستطيع اقناعه وبالغد ربما لا أستطيع!

ما ترونه من جمال الصور والفيديوهات التي نلتقطها في غربتنا ما هي إلا كبسولات مسكنة تسكن حنينا وشوقنا، فالغربة أن تعيش عمرك كاملا بحنين واشتياق لبيتك وأهلك، لنسائم بلدك ورائحة ترابه. الغربة تضع أعمارنا وذكرياتنا رهينة حقيبة سفر، تمر السنوات وتتجعد الوجوه ونحن نقلب عداد الأيام التي تمر. المغترب هو سجين الوقت الذي يمضي مسرعا وراء حلم وردي، هو الإنسان الذي لم يجد الفرصة في وطنه ولا الراحة في غير بلده. صراع بين قلبه الذي يحن دوما لمكانه وذكرياته القديمة وبين عقله الذي يشده لرخاء ورفاهية الاغتراب.

 

الغربة مثل الورود مليئة الأشواك التي تسعدك ريحها الطيبة ولكن لا تستطيع الاقتراب منها أو قطفها. هو الألم الذي يتملكك عندما تكون سعيدا بميلاد طفلتك أو تخرج طفلك من المدرسة أو حتى شراء فستان جديد لابنتك ولا تستطيع مشاركة سعادتك مع من تحب. الأعياد والمناسبات تمضي كيوم عادي بلا بهجة أو روح. قد تبدو أموراً بسيطة وعادية لكن للمغترب ليست كذلك.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

"في أرض محتلة تحت حكم قاتلنا سابقاً، أحياءٌ بقبضة الموت" بهذه الكلمات استهل الشاب أحمد المصري من الغوطة الشرقية حديثه عن معاناة السوريين الذين انحصر مصيرهم بين الاعتقال والتجنيد.

الأكثر قراءة