هل رأيت نِعم الله في الانقلاب؟!

(هو يوم من أيام الله، كفتح مكة وغزوة بدر وميلاد النبي، انتصر فيها المؤمنون على الكفار، إنه العيد الثالث للمسلمين، والاحتفال به يجب أن يكون بصلاة ركعتين شكر من المصريين لله) هكذا وصف المفتي السابق "علي جمعة" ذكرى مظاهرات الثلاثين من يونيو والانقلاب العسكري الذي أفضت إليه، لم ينس شيخ العسكر أن يلعن جماعة الإخوان المسلمين، ويصفهم بالخارجين والفاسدين، تأول على الله، واستخدم آيات القرآن في غير موضعها، وصلة تملق معتبرة من شيخ عُرف بقربه الشديد من الأجهزة الأمنية، لكنها لم تكن أبدا كسابقاتها، رآها البعض فجورا لم يصل له أحد من قبل من شيوخ السلاطين، كذب على الله، واستهزاء بالدين، وتلاعب بالقرآن، وتحريف لسُنة الرسول، واستخفاف بعقل ووعي الجماهير، فقط من أجل إرضاء الحاكم.

تساءل الكثيرون: هل هو غضب من الله على الشيخ، طمس به على قلبه وأعمى عينه، فوصل لتلك المرحلة من الشطط والضلال؟ تذكرت حينها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن في جهنم وادياً تستعيذ منه كل يوم سبعين مرة، أعده الله للقراء المرائين في أعمالهم، وإن أبغض الخلق إلى الله عالم السلطان".

لم يعد المصريون في حاجة لذكر كوارث الانقلاب العسكري أو توضيح أضراره أو تفصيل مآسيه، هم يعيشونها فعليا، يتنفسون خرابا يفوق في قوته التدميرية قنبلة هيروشيما النووية التي أطلقت على اليابان في الأربعينات، حينما عنونت الإيكونوميست البريطانية (المجلة الاقتصادية الأشهر في العالم)، سلسلة تقارير لها بعنوان تخريب مصر، في أغسطس 2016، واصفة ما يفعله السيسي بالاقتصاد المصري ومجالات كالصناعة والزراعة والسياحة، بكونه تدمير متعمد، لم تكن ثمة مبالغة من خبرائها المحترفين، بل هي وصف منطقي تماما لكل ما ترصده لنا كافة المؤشرات.

الشعب الذي نادى بشعار: (الجيش والشعب إيد واحدة)، أدرك تماما أن دولته: جيش يأوي لديه شعب كمجموعة من اللاجئين

لكنني اليوم وفي ذكرى الانقلاب، وهذا الدمار الشامل الذي لحق بالبلاد، قررت أن أفكر خارج الصندوق، وبدلا من الحديث عن الأشواط الهائلة التي قطعها السيسي في مهمته المقدسة لتدمير مصر وسحق شعبها، قررت الإبحار للشاطئ الآخر، من أجل التأمل في أبعاد تلك المنحة التي يهبها الله عز وجل في أي محنة يبتلى بها العباد.

نعم، ثمة نعم عظيمة بداخل هذا الانقلاب.. فهل كنا سندرك من دونه، ما ندركه الآن؟! ظللنا نحارب أدوات لأدوات لأدوات، نتحدث مرة عن فساد رجال أعمال، ومؤسسات خاصة وحكومية، ننادي مرة بسقوط مبارك، ونتحدث قبلها عن التوريث لابنه جمال، حتى كشرت الحقيقة عن أنيابها، بدون رتوش أو مساحيق تجميل، وبات واضحا لكل ذي عقل، أن بلادنا عادت لأسوا عصور العبودية، ولكن ليس بفرعون واحد بل بمجموعة فراعين، عساكر جيش كونوا ما يسمى بمجلس قيادة الثورة، ليخفوا به وجه انقلاب عسكري ذميم، خدعوا به شعب مغيب واستولوا على أرضه ومقدراته، وأصبح لديهم من العبيد، ظلوا يتداولون الحكم فيما بينهم ستة عقود، دولة مماليك يختارون أسوأ من فيهم، يساندونه ويدعمونه فإذا ما سقط.. كانوا جاهزين فورا بالبديل.

الشعب الذي نادى بشعار: (الجيش والشعب إيد واحدة)، أدرك تماما أن دولته: جيش يأوي لديه شعب كمجموعة من اللاجئين، أدرك كل من لديه ذرة عقل، أن الاحتلال الغربي لبلادنا العربية لا يزال جاثما فوق صدورنا، ولكنه استبدل فقط عامله بالعميل، وجيمي بجمال، فدماء عساكره أغلى بكثير من أن يضحي بها، وهناك عساكر آخرون يمكنهم ان يخدموه ويقوموا حتى بأفضل مما يريد، اعترف بها مستشار المخلوع من قبل ورئيس مكتبه السياسي د. مصطفى الفقي، في حوار له شهير، مع صحيفة المصري اليوم، قائلا: أن رئيس مصر من العسكر لابد أن تشارك في اختياره أمريكا وتوافق عليه إسرائيل.

مازال الغرب يحاربنا ويحارب نهضتنا، والدين الوحيد القادر على أن يوقظنا من غفلتنا، ولكن ليس بجيوشه هو، بل بعملائه على جيوشنا نحن، ظهرت الحقيقة واضحة جلية، كالشمس تلقي بنورها في العيون، عرفنا أن ما يصدره إعلامنا ما هو إلا طفح مجار كريه، وأشهر رموزنا هم أسوأ من فينا، وشروط تقلد المناصب في مصر : إما أن تكون لصا أو منافقا أو نصاباً أو قواد، حزب النور لم يكن يوما حزبا دينيا، بل حزبا أمنيا بامتياز، وكثير من الدعاة الإسلاميين لا علاقة لهم أساسا بالإسلام.

الأحزاب السياسية لم تكن إلا (دكاكين) يبيع فيها الطاغية ما يريده للشعب أن يشتريه من مخدرات، شعارات مسكنة وسياسات منومة ، تسمح له ولحاشيته أن يسرقوا ويقتلوا في هدوء. دعاة الليبرالية والحرية والديمقراطية، أكثرهم لا يقصدون بشعاراتهم حرية شعوبنا، أبدا، بل حريتهم هم في فعل ما يشاؤون، وما يخالف تقاليد مجتمع مسلم على أرضه يعيشون، الديمقراطية لديهم تعني فقط الوصول إلى كرسي الحكم، وليس ما تأتي به صناديق ملأها بأصواته شعب من الفقراء والأميين، وحيث أن الانتخابات لا تأت سوى بهؤلاء الإسلاميين، فالحل الوحيد إذن هو: الانقلاب، والمبرر الهزلي: لحماية هوية مصر من التغيير!

في كل مرة ننجح في اختبار العزم كما قال الشيخ حازم أبو إسماعيل، بينما نفشل دائما في اختبار الوعي والإدراك، الوعي الذي يحمي ثوراتنا من الالتفاف عليها أو الانقلاب
 

مصر التي فتحها الإسلام منذ أكثر من 1400 عام، و95 بالمئة من سكانها مسلمون، سيغير هويتها الدين؟! والله، لو حكمنا أبو لهب وزوجته أم جميل، ما فعلوا معشار ما فعله هؤلاء! ما سر هذا العداء؟! لماذا يكرهون هكذا الإسلاميين، تذكرت مقولة الشيخ الجليل "الشعراوي" رحمه الله، حينما سئل عن العلماني الذي يزعم حبه للإسلام، فأجاب قاطعا: "كداب في أصل وشه، ده يعمى ولا يشوف المتدين أو الدين".

والإسلامي الذي وصل للحكم، الشريف طاهر اليد، العالم الذي حصل على أعلى الشهادات، لم يسرق، لم يقتل، لم يخن، ولا يملكون عليه التسجيلات، فقد بدا كنقطة بيضاء فضحت سواد الثوب، فصرخوا بأعلى صوتهم: اخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون، ولأنهم ملكوا الصحف والفضائيات والأبواق والشاشات، قلبوا الحق باطل والباطل حق، ومن شهد الناس في عهده أزهى عصور الحرية أصبح ديكتاتور، من لم يتقاض مليما من خزينة الدولة، لم يجدوا له تهمة سوى التعاون مع حماس.

خربوا العقول وأفسدوا الأذواق، قتلوا النخوة، ودمروا الأخلاق، عادت مصر على أيديهم لجاهلية أبشع من عصور ما قبل الإسلام، وحين يجتمع جهل مع فقر مع بعد عن الدين، قل على الوطن السلام. وإن لم ينتصر المصريون في معركتهم الحالية بنشر الوعي وتصحيح المفاهيم، فلا أمل لدينا في أي انتصار. نظام ثرنا عليه من قبل وضحينا بالمئات، فالتف على انتصارنا وسرقه منا، ثم قتل واعتقل منا الآلاف.

في كل مرة ننجح في اختبار العزم كما قال الشيخ حازم أبو إسماعيل، بينما نفشل دائما في اختبار الوعي والإدراك، الوعي الذي يحمي ثوراتنا من الالتفاف عليها أو الانقلاب. تثور أوروبا مرة واحدة تعبر بعدها نفق التقدم والازدهار، ونثور نحن مرات تلو مرات، وفي كل مرة، نخسر في معركة الوعي فيسرقوا منا حلاوة الانتصار.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

أثارت إعلان المرشح السابق للرئاسة في مصر موسى مصطفى تشكيل "جبهة معارضة مساندة للرئيس عبد الفتاح السيسي" سخرية وانتقاد مراقبين بشأن جدواها وتأثيراتها السلبية على المشهد السياسي.

الأكثر قراءة