"فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ".. اسأل طبيب ولا تسأل مجرب!

الكثير منّا يظنّون أنّه يلزم كل فردٍ منّا أن يمتلك جواباً لكلّ سؤالٍ يُطرح عليه سواءً أكان عالماً أم جاهلاً به تاركين وراءنا سنّة متروكة أتقنها السلف الصالح من قبلنا وهي سنّة "لا أعلم" بالرغم من أنّها عين العقل وسراجُ الحقيقة فهي تختصر الكثير من التَبِعات الضالّة المضلِّلة التّي قد يقع بها الحائر في مسألة معيّنة.

وليستبين سبيل الحقّ قال تعالى "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" وهنا الأمر واضح بوجوب الاستعانة بأصحاب الاختصاص في كل مجالٍ فالفقيه يفهم في الفقه والمحاسِب في المحاسبة والمهندس يفهم في مجاله والطبيب في طبّه فكما يقولون "اتركوا الخبز لخبّازه" فالحرص على تلقّي العلم من صاحبه في سبيل المقصود لهو من خير المقصِد، وكما يقول الشاعر البستيّ في قصيدته المشهورة "عنوان الحكم":

فللتدابير فرسانٌ إذا ركضوا 
فيها أبرّوا كما للحرب فرسانُ

انتشرَ في الآونة الأخيرة الكثير من "الأطبّاء" المتستّرين بلسان الزيف والكذب بما ينشرونه من فتاوى طبيّة مبنيّة على الخرافات والأساطير والجهل المحدق الذي توسوس به أنفُسُهم، فأصبح الأمر يبدو وكأنّه مهزلة كان لا بدّ من الإشارة إلى خطورتها بعيدة كلّ البعد عن المنظور العلميّ المستند إلى الفَهم الدّقيق لتكوين الإنسان ووظائف أعضائه المختلفة.

وممّا يزيد الطين بِلّة استخدام أساليب خبيثة ورخيصة لا أصل لها من العلم ك "أثبتت الدراسات" و"اتفق العلماء" أو مصطلحات تودّديّة كـ "أخي" و"صديقي" بهدف إقناع النّاس بصحّة العلاج، فخلط الليمون مع البيض البلدي وتقديمه للمريض لمدة شهر لا يعالج سرطان القولون، ولا يستخدم الكلور في علاج سمّ العقارب بديلاً عن العلاج المستخدم "antivenum" والأمراض النفسية بريئة من كلّ أشكال السحر والشعوذة والتمائم التي يعتقد بها النّاس. 

العلوم بشكل عام وعلم الطبّ بالتحديد ما جاؤوا عبثاً حتّى نصل إلى هذه الدرجة من الاستهتار حيث أن إطلاق الأحكام جِزافاً دون معرفة مسبقة يعدّ انتقاصاً من قدر هذه العلوم
 

ونظراً إلى كون الإنسان مخلوق مكرّم "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ.." فلا يجوز العبث بمكنونته وبصحّته بالأخصّ لذا أردت الإشارة إلى ذلك الموضوع، فصحّة الإنسان لا تحتمل وجود احتمالات عشوائيّة بناءً على تجارب شخصيّة كما يعتقد البعض، فالطبيب المتقِن يتعامل مع المريض بشكل كامل ويدرس الحالة المرضية بجميع جوانبها ويقدّم له العلاج المطلوب وما يتناسب مع استجابة جسده له مراعياً التأثيرات السلبيّة التي قد ترافق العلاج والتداخلات المحتملة.

 

فعلى سبيل المثال لا الحصر لا يجوز إعطاء مريض السّكري الذي يعاني من تسارع شديد في نبضات القلب ‏"Supraventricular tachycardia" أدوية تزيد من تفاقم مرض السّكري عنده فيتم علاج تسارع القلب وإعادة النبض إلى حالته الطبيعية على حِسَاب مرضه الذي يعاني منه فيعرّض حياته للخطر وفي بعض الحالات إلى الموت في حالة عدم التدّخل السريع والمباشر!

وقِس على ذلك أمثلة كثيرة جداً من التداخلات العلاجية أو الدوائية كتناول فيتامين K الذي يساعد على تخثّر الدم عند مريض معرّض للإصابة بالجلطات أو أنه قد أصيب سابقاً بتجلّطات عديدة ويتناول مميّعات للدم بشكل مستمر فتأثير الأول يعكس تأثير الثاني. وهذا التأثير موجود حتّى على مستوى المضادات الحيوية التي يتناولها النّاس دون رقيب أو حسيب فالمضاد الحيوي "Tetracycline" مع أدوية الحموضة أو أطعمة تحتوي الألمنيوم أو الكالسيوم تؤدي إلى ترسيب هذا المضادّ بالتالي إبطال مفعوله. 

إذا كان تأثير ما تمّ ذكره "الأول مع الثاني يكون ناتجهما صفر أي بلا تأثير" فإن من هذه التداخلات ما يكون تأثيره مضاعفاً "الأول مع الثاني يكون ناتجهما 2″ كإعطاء مميّعين للدّم في آنٍ واحد كالهيبارين والأسبيرين مما يزيد نسبة حدوث النزيف عند المريض. فالمقصود من ذلك كلّه أن العلوم بشكل عام وعلم الطبّ بالتحديد ما جاؤوا عبثاً حتّى نصل إلى هذه الدرجة من الاستهتار حيث أن إطلاق الأحكام جِزافاً دون معرفة مسبقة يعدّ انتقاصاً من قدر هذه العلوم ولا شكّ أن العلاج والشفاء بيد الله وحده الشافي الحكيم بقدرته وأفعاله ومن علمه فاق كلّ شيء و"وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ".



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

بمبادرة من وزارة الدفاع القطرية أقيم في مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور غربي السودان حفل زفاف جماعي لنحو ألفي شاب وشابة، أغلبهم من النازحين المتأثرين بالحرب الأهلية في البلاد.

اجتمعت أم عمرها مئة عام بابنتها البالغة من العمر 79 عاما لأول مرة منذ إنجابها لها بعد أن أخبرت آنذاك أن ابنتها توفيت عند الولادة، حسب ما جاء بصحيفة بريطانية.

الأكثر قراءة