الانتماء.. وطننا ينتمي إلينا ونحن نرفض أن ننتمي إليه!

إذا كنت مواطناً في أي بلد عربي فأنك قد خضت ولو لمرة في حياتك حواراً حول الانتماء وحول ماهية انتماءك إلى الوطن العربي أولاً؟ أم إلى بلدك أولاً؟ أو قد بحثت في تاريخ طائفتك أو عرقك أو قبيلتك عن انتماء مختلف يميزك عن البقية كي تضعه على رأس هرم انتماءاتك الأخرى. إن كلمة "الانتماء" هي كلمة أكبر من أن نحاول تأطيرها في تعريف واحد، فالشعور بالانتماء يختلف تماماً تبعاً لمعطيات حياة كل منّا. إذ أن شعورك بالانتماء كشخص يختلف عن شعور آخر ينتمي إلى طائفة أخرى أو يحمل دماً مختلطاً به، والعكس صحيح. 

وقد اشتدت مؤخراً أزمة الانتماء في وطننا العربي على الرغم من كافة الروابط التي تجمع بين أفراده من المحيط إلى الخليج من لغة مشتركة وتاريخ يكاد يكون مشتركاً ودينِ يكاد كافة أفراد وطننا العربي يدين به مع اختلاف الطوائف والمذاهب. كل ذلك لم يمنع من ظهور الكثير من العقبات التي تحيلنا دون الاعتداد بانتمائنا والعمل على الحفاظ على قواسمنا المشتركة، بل يبدو أن هذه القواسم المشتركة باتت نقمة علينا إذ زادت من طين الخلاف بلاً بدلاً من أن نترك المجال لوعينا كي يجفف هذه الطين ويذيب هذه الخلافات. وقد سمحنا للأجنبي أن يتدخل بيننا وعقدنا معه الصفقات والاتفاقيات على حساب أخوة العروبة والدم.

وظهر ذلك في أوجه عقب اندلاع أزمة الخليج الأخيرة والتي باتت بعض الدول الخليجية تخون شقيقها القطري فاتحة الباب للمطامع الأجنبية أن تدخل بين الأخوة بل وتجعل منهم أعداءاً حتى يصبح الشقيق القطري أشد عداوة في نظر البعض من العدو الإسرائيلي! يخجل العديد من الشباب اليوم بانتمائهم إلى الوطن العربي ويبحثون لاهثين في التاريخ على انتماءات أخرى فها هو المصري يرفض الواقع الحالي ويعود آلاف السنين إلى الوراء ليعلن أنه ينتمي إلى أمة انقرضت وأنه ليس عربياً بعد أن استشعر الحال البائس لوطنه وشعر بالخجل لانتمائه إليه وقرر الانتماء إلى تاريخه! وها هو اللبناني أو السوري يشيد بانتمائه إلى حضارة منصرمة القدم، الحضارة الفينيقية ليٌبعد عن نفسه شبهة العروبة! والكثير من الأمثلة ممن يعرفون اليوم بالعرب.

الحاجة إلى الانتماء هي حاجة فطرية عند كل فرد يغذيها كلٌّ حسب رغبته. فالبعض ينتمي إلى عرقه والبعض إلى دينه والبعض إلى أرضه إلخ

فبدلاً من أن نسعى إلى تحسين صورتنا الحالية، ها نحن نهرب منها ونتشبث بصور قديمة ونتعلق بأثواب أجدادنا الذين رحلوا راجين منهم أن يأخذونا أو يعلنوا انتسابنا إليهم! ولو دارت بنا الحال واستحلنا حضارة قوية لوجدنا أن كل هذه الحركات القومية ستنقرض ولأفتخر الجميع بانتمائهم العربي بالدرجة الأولى. وكأن الانتماء ما هو إلا دمية نحركها إلى أي مكان نرغبه بما يتفق مع ما يجلب لنا الفخر ويبعدنا عما يجلب لنا العار! بل وكأن أجدادنا قد تشبثوا هم أيضاً بأثواب أجداهم ولم يصنعوا مجدهم بأنفسهم!

إن الحاجة إلى الانتماء هي حاجة فطرية عند كل فرد يغذيها كلٌّ حسب رغبته. فالبعض ينتمي إلى عرقه والبعض إلى دينه والبعض إلى أرضه إلخ. وتجد تشبث أحدهم بانتمائه بات الذريعة الأولى لمن يريد تخوينه بإلقاء التهم إليه كيفما اتفق. كتخوين الخليجي للقطري او كتخوين السوري لشقيقه السوري أو كتخوين البعض للفلسطينيين واتهامهم ببيع أرضهم كي يبرروا تخاذلهم وجبنهم في حق فلسطين!

إن اندلاع الثورات في الوطن العربي وما أدت إليه من تدخلات خارجية أشعلت الخلافات واضطرت الكثيرين إلى ترك أوطانهم والنزوح القسري منها بعد الدمار الذي لحق بمدنهم ومساكنهم بحثاً عن وطنِ جديد. وقد حرّض ذلك على ظهور شكلٍ جديدٍ من أشكال أزمة الانتماء. ولم يتوان العديد ممن لم يضطروا لترك بلدانهم إلى استخدام أسلوب التخوين في الإشارة إلى من اضطرته ظروفه إلى ترك أرضه.

 

إذ يبدو أن التخوين هو أقصر طريق لإثبات الوطنية عند البعض. وكوننا نحن العرب بارعين منذ القدم بعلم الكلام، نجد أن الاستخدامات الجديدة لهذه القدرة هي أبعد ما يكون عن إبداع وعبقرية السلف بل تتجسد بتلاعبنا بالكلمات وتخوين من نريد باستخدام أبرع العبارات وأكثرها تأثيراً. وفي ظل الحديث عن الانتماء، علينا أن نلقي الضوء على مشكلة قديمة ألا وهي انتماء الأقليات في بلداننا إليها. وتنقسم الأقليات إلى سكان أصليين أو إلى مهاجرين قدماء. وكمثال عن السكان الأصليين يوجد السكان الأصليون لأرض المغرب العربي بدوله الثلاث -الأمازيغ- وما يعانونه من مشاكل تقبل العرب لهم ممن قد يحمل معظمهم دماً امازيغياً في عروقه أو قد ينتمي إلى الجيوش العربية التي قدمت من أراض أخرى بعد الفتح الإسلامي.

وفي مثال على الأقليات من المهاجرين القدماء لننظر إلى الشعب الشركسي الذي اضطر أبناؤه إلى هجرة أرضهم الواقعة في شمال القوقاز إبان حروب روسيا معهم واضطرارهم إلى اللجوء إلى الدولة العثمانية آنذاك بسبب ديانتهم المسلمة أو إلى روسيا نفسها. ويعمل أبناء هذا العرق على الحفاظ على عاداتهم وثقافتهم ولغتهم مع إظهار الامتنان إلى أشقائهم العرب بل ويعتبر بعضهم أن تعدد الانتماءات قد يكون نقطة قوة لهم بدلاً من أن يكون نقطة ضعف.

 

إلا أن هذه الأقلية وغيرها كالأرمن اضطروا إلى ترك البلدان التي آوتهم ونشأ أبناؤهم بها في الوقت الحالي بعد اندلاع الحروب. والقيام بالهجرة المعاكسة إلى وطنهم الأصلي أو الاضطرار إلى القيام بهجرة جديدة إلى أرض جديدة حاملين أوطانهم في قلوبهم ضائعين في تفاصيل الهوية. كما حدث مع فلسطينيي سوريا أيضاً ممن اضطروا إلى الهجرة مجدداً وضاع حلم الاستقرار الذي ما كاد أن يولد.

إن الكثير من العوامل تقف كحائل بيننا وبين الانتماء الحقيقي. فكاتبة السطور نفسها تحمل دماً مختلطاً عربياً وقفقاسياً. إلا أن ذلك لم يدفعني يوماً إلى تمييز أحدهما عن الآخر بل اعتبرته فرصة لي للاطلاع عن كثب على الاثنين وأخذ الأفضل من هذين الانتماءين الجميلين اللذين أفخر بالتساوي بهما. ولم أفكر يوماً بالتنقيب في تاريخي علّني أجد دماً فينيقياً أو كنعانياً أو كلدانياً أرمي في أحضانه فشل العرب الحالي. بل أجدني ألقي على عاتقي مهمة النهوض بهم كما يجب عليك أنت أن تفعل كي نتمكن سويةً من القيام بحضارتنا ودفعها قدماً. 

الانتماء حقيقة ما هو سوى قرار وقد يكون قرارنا هو مصدر قوتنا. فنحن نملك الكثير من الرايات التي نستطيع أن ننضوي تحتها. كراية العروبة أو راية الانتماء الجغرافي أو راية اللغة المشتركة
 

إن مشكلة الانتماء تبدو مغايرة تماماً في السياق الخليجي. حيث أن العزة تكون بالانتماء العربي الأصلي على عكس المعتقد في بعض الدول العربية الاخرى. فيسعى أحدهم إلى إثبات عروبته ونسبه إلى القبائل العربية القديمة أو إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وكأن انتسابه لهم سيجعله من آل البيت الكرام دون أي جهد أو سعي من قبله. ولا يتقبل العديد منهم تزويج أبنائهم وبناتهم إلى قوميات أو جنسيات أو حتى قبائل مختلفة لاعتبارات تاريخية لا تقدم ولا تؤخر من واقع الحال شيئاً.

فإذا لم تكن اللغة ولا التاريخ ولا الثقافة ولا العرق ولا الدين هي ما يحدد الانتماء، فما الذي يحدده إذاً؟ أو إذا لم تستطع كل هذه الروابط أن تجمع بين أبناء الوطن الواحد فما الذي يمكن له أن يجمعهم؟ وهل سنظل أسيري الخطوط الجغرافية والأحداث التاريخية؟ وهل سنتهم بالتخوين كل من لم يتفق معنا وخالفنا الرأي؟

إن أوروبا ارتأت أخيراً أن تنضوي بكل بلدانها تحت راية واحدة. كل بلدانها رغم ما يفرقهم من لغة وتاريخ حروب طويل واختلافات عرقية وثقافية جذرية. كل ما قد يكون ذريعة لنا كي نختلف أكثر بات حقيقة تجمع الأوروبين بعدما أدركوا ما يجلبه لهم التوحد من قوة، وما يحمله الاختلاف من ضعف. ليكونوا خير مثال على القصة التي لطالما رددناها على مسامع أطفالنا، قصة الشيخ الذي جمع أبناءه وطلب من كل واحد منهم أن يكسر خشبة ثم جمع الأخشاب جميعها وطلب منهم كسرها فتعذر ذلك عليهم، ليثبت لهم أن القوة تكمن في التوحد. قصة نرددها دائماً وفي يد كل منا خشبته التي يرفض بشدة أن يضعها في يد أخيه ويمضي كل منا مع خشبته رافضاً بفعله ما يردده بلسانه.

إن الانتماء حقيقة ما هو سوى قرار وقد يكون قرارنا هو مصدر قوتنا. فنحن نملك الكثير من الرايات التي نستطيع أن ننضوي تحتها. كراية العروبة أو راية الانتماء الجغرافي أو راية اللغة المشتركة أو غيرها الكثير من الرايات التي نحملها بين يدينا. كل ذلك لن يحتاج منا إلا إلى قرار واعٍ لن نستطيع اتخاذه إلا عندما ندرك أن الانتماء هو موضوع بسيط فما هو سوى قرار!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال مركز حماية المستهلك بولاية شمال الراين ويستفاليا الألمانية إن تطبيق فيسبوك ماسينجر يجمع الكثير من البيانات الحساسة الخاصة بالمستخدم، وهو ما يثير شكوكا حول جوانب الخصوصية والأمان.

الأكثر قراءة