إدانة نشطاء حراك الريف.. عن استقلال القضاء عن العدالة!

أكثر من 300 سنة هي مدة العقوبة السجنية التي أدان بها القضاء المغربي نشطاء حراك الريف، حيث تم توزيع مدد الأحكام حسب موقع وقيمة المتهم في الحراك، إذ ثم منح 20 سنة سجنا نافذة لأكثر شخص أهمية في الحراك وهو القائد (ناصر الزفزافي) ونفس المدة لأصدقائه المقربين الأكثر أهمية في إطار قيادة وتنظيم الحراك، ومنح 10 سنوات لما تحتهم وهكذا، إذ كلما ارتقى مركز وعلت قيمة الشخص بالنسبة للحراك علت مدة سجنه، وكلما هزل موقعه كان الحكم عليه مخففا أكثر، مقارنة مع من هم أكثر قيمة وأهمية منه في سيرورة الحراك.

قد يتعجب البعض من طول مدة هذه الأحكام، التي لا يمكن أن توصف إلا بالجائرة والخرقاء، والصادرة عن جهاز قضائي مطبوع بمميزات الدولة التي يشتغل تحت لوائها، ولا يخفى على القاصي والداني أن هذه الدولة لم تترك أي سمة من سمات الاستبداد والظلم والمماطلة إلا واتسمت بها.

من يسمع كلام بعض المحللين والكتاب عن موت العدالة في المغرب، يعتقد أن العدالة في هذا البلد تشبه "طائر الفونيكس" الذي يبعث حيا بعدما يترحم عليه الناس، كما أن من يحصي عدد المرات التي أعلنوا فيها الحداد على العدالة بالمغرب يعتقد أنها تنبعث من رمادها بعد كل موت، لكن الحقيقة التي لا يريد أن يفهمها هذا الشعب هي أن العدالة تقتضي عدة شروط ليس أقلها قواعد ديموقراطية لممارسة الحكم والتسييس، إذ لا يمكن أن تتحصل عدالة القضاء دون أن تتحصل بشكل مسبق ديموقراطية النظام الحاكم، إذا كان الإسلام يعتبر صلاح الصلاة يستتب به صلاح باقي الأعمال، فإن بالمثل صلاح الحكم وتأسيس قواعده على أسس ديموقراطية وعلمانية مقدمة لصلاح جهاز القضاء ونسق الاقتصاد وأخلاق الأفراد وتطور المجتمع وانفتاح الثقافة.

إن فاعلية القضاء في أي دولة تتحدد بنمط ممارسة السلطة داخل مؤسسات هذه الدولة، فإذا كان نمطها ديموقراطيا فإن القضاء يكون كذلك هو وغيره من أجهزة الدولة وحقول المجتمع، وإذا كان نمطا استبداديا همجيا فإن القضاء يتوسم بطبعه وهكذا، بناءا على ذلك فطبيعة جهاز القضاء المغربي التي تترجمه الأحكام على نشطاء حراك الريف، تعد انعكاسا واضحا لطبيعة الدولة المغربية والقواعد التي يتأسس عليها الفعل السياسي داخل هذا الفضاء الذي ينتمي إلى العالم الثالث.

في تاريخ المغرب خصوصا المعاصر (ما بعد الاستقلال)، يحتفظ التاريخ للقضاء المغربي بصفحات سوداء، بسبب إدانته وأحكامه الجائرة على الضعفاء من الشعب وبالمقابل تبرأة المجرمين والجلادين

في نفس السياق، هناك من يتهم جهاز القضاء المغربي بعدم الاستقلالية، وهذا أمر لا شك في واقعيته، فرغم صلافة بعض الوزراء والمسؤولين الذين يدعون بكل وقاحة، أن القضاء مستقل وأن لا أحد فوق القانون، وأن مؤسسات الدولة تعمل وفق مبادئ العدالة والاستقلالية والمسؤولية، فإن كل هذه الشعارات لم يعد يصدقها حتى أطفال المغاربة فما بالك بعامة الشعب من الراشدين، بل حتى ملك البلاد لم يعد يصدق ذلك، وما بعض خطبه الناقدة صراحة لكيفية امتلاك السلطة وممارستها على المواطنين دليل على ذلك، حيث يتصرف أصغر عسكري أو شرطي أو إداري أو غيرهم في المغرب إزاء الآخرين وكأنه سيد على مجموعة من العبيد، فيمكن أن يتأخر عن خدمتهم أو أن لا يأبه لهم أصلا، دون أن يحاسب على ذلك أو أن يعاقب، فالعقاب للضعفاء والفقراء فقط، خصوصا إذا دخلوا مع الأقوياء والأغنياء في تحد أو صراع، حيث لا يصبح طرف محايد هو الحكم بين طرفي النزاع، بل يتسنم ذلك القوي ومن له السلطة.

بناءا على ذلك، فإن هذه الأحكام يجب أن تكون منتظرة من طرف الشعب، خصوصا وأن المتهَمين من حاشية الضعفاء، وبالمقابل الحكم والمتهِمِين من حاشية الأقوياء والمتنفذين في الدولة، ما يعني أن الأحكام حتما ستكون لصالح الحاشية الأخيرة، إذ أننا نعيش في بلد (أو بالأحرى في عالم) لا يعترف ولا ينتظم ولا يسير إلا وفق إرادة الأقوياء والمهيمنين، وما شعارات العدالة والاستقلالية التي يفوه بها من هم أصلا من حاشية الأقوياء والمسيطرين ليست إلا خطابا لتنويم الغنم، أما المغاربة فليسوا كذلك، إذ لم تعد تنطلي عليهم خزعبلات أشباه السياسيين في المغرب.

ففي تاريخ المغرب خصوصا المعاصر (ما بعد الاستقلال)، يحتفظ التاريخ للقضاء المغربي بصفحات سوداء، بسبب إدانته وأحكامه الجائرة على الضعفاء من الشعب وبالمقابل تبرأة المجرمين والجلادين من المتنفذين والمتسلطين الذي يزخر بهم تاريخ المغرب، والحال لا زال مستمرا على كيفه دونما تغير، فما الأحكام المخففة الصادرة في حق قتلة "محسن فكري" (تم طحنه في حاوية أزبال وهو السبب المباشر للحراك)، وبالمقابل إدانة نشطاء الحراك الذي اعترف العالم بسلميته إلا المتنفذون والمسؤولين في الدولة المغربية وأذنابهم، بمدد خيالية مثل هذه، إلا دليل على استمرار طبيعة جهاز القضاء المغربي، كجهاز مَمْلُوك من طرف من هم في موقع السلطة والقوة والنفوذ، كما هو مملوك حقل الدين والاقتصاد والثروة وغيرها لأشخاص ولعائلات بعينها، وليس للشعب. وبه يستمر التاريخ في تدوين جرائم جهاز القضاء المستقل عن العدالة في حق رجال ونساء المغرب الشرفاء، وتبرئة أخساء وأنذال هذا الوطن إلا هامشيا وعلى سبيل تفادي غضب شعبي.

أخيرا، لا يمكن أن ننتظر ممن هم في موقع المستفيد من طبيعة هذا القضاء أن يبادروا إلى تغيير أسسه وقواعده، بل على الشعب أن يناضل من أجل ذلك، ليس في الفايسبوك (وهذه طامة رد فعل المغاربة في السنوات الأخيرة إزاء الحيف الذي يطال مكتسباتهم وحقوقهم) وإنما في الواقع أي في شوارع البلد، وذلك بامتلاك رؤية ومخطط واضح يقوده مثقفون ورجال الواقع -لو جاز التعبير- عن كيفية التغيير وليس الإصلاح، حيث لم يعد المغرب قابل للإصلاح بل هو في حاجة إلى تغيير جذري خصوصا في أسس وقواعد الممارسة السياسية وكيفية امتلاك السلطة وسبل مراقبة ومحاسبة ممتلكيها من طرف أجهزة مستقلة تبلور العدالة إلى واقع وليس إلى شعارات تذاع في إعلام النظام الحاكم، لذلك فالرهان لا يجب أن يكون على إصلاح جهاز القضاء، بل على تغيير وإعادة تشكيل حقل سياسي يتأسس على أسس ديموقراطية علمانية، ويرقى إلى متطلبات الشعب وإلى مستوى الواقع السياسي لعالم اليوم، فإذا صلح الحكم صلح حال المجتمع كله.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة