شعار قسم مدونات

جوع وخوف في حضرة الحصار!

blogs الغوطة

هو منبعٌ مُوحدٌ لِلظُلمِ يستقي منهُ الظالمونَ كلٌ حسبَ وحشيتهِ وإجرامه، بعضهم يقتل وبعضهم يضيق وينكل وآخر يفعل كلَ ذلكَ مجتمعين، وقد ابتُليت شامُنا بهذا الأخير، قاتلٌ مجرمٌ وسفاح، سجانٌ وظالم، جمعَ الظلمَ من جميعِ أركانه، تقمصهُ تماماً وأداه بأحسن أداء، فنال بذلكَ وسامَ انعدامِ الإنسانيةِ بشكلٍ مطلق.

"دخلتِ امرأةٌ النارَ في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض"، هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هرة فكيف بمن حاصرَ مئات الآلاف من شعبه، حرمهم لقمة العيش وشربة الماء، بل حتى حرمهم من الأمن والأمان.

تتصاغرُ آلامُ الكونِ أمامَ عينيكَ تدريجياً حينَ تُؤمنُ بفكرة، تَغدو جِراحاتكَ ومصائبكَ ما هي إلا خُطوطاً تَتَجمعُ لِترسمَ لك النصرَ والفلاح، لا تهزكَ الشدائدُ ولا تثنيكَ عن هدفكَ الزلازل، كُل ما يحصل ما هوَ إلا نقطةٌ في بحرِ إيمانكَ بهدفكَ وحقك، وَجميع ما يصيبكَ يتلاشى بعدَ ما تتذكرَ عظمةَ ما تصبو إليه، لن تهتمَ لحصار، قتلٍ ولا تجويع، كلهُ ستراهُ هيناً وسيبقى حلمكَ في صدركَ يستقرُ به فيزيدكُ إيماناً فوقَ إيمانكَ وثباتاً فوقَ ثباتك.

لجوعُ والخوفُ يا صديقي هما من أفضلِ معلمي العالم، أن تعيش بمكان يعد أخطر أماكن العالم، محروم من أبسط مقومات الحياة

في حضرةِ الحصارِ استُحضرت آيات الصبر عند الكثيرين، تَعمقوا بها لأولِ مرةٍ في حياتهم بهذا الشكل، كرروها كثيرا في قلوبهم قبل ألسنتهم، عاشوها في حياتهم اليومية، فتح الحصارُ أبواباً جديدةً لفهمِ تلكَ الآيات، عايشوها تماماً وانصهروا فيها، مكثوا في حصارهم 4 سنواتٍ يذوقونَ فوقَ الجوعِ والعطشِ خوفاً متواصل، وقصفاً لا ينقطع، وانعداماً للأمنِ، وأضف إلى هذا كلهِ انعداماً المستقبل، ليجمعَ حاكمُ ذلكَ البلدِ ظلماً فوقَ ظلمِ الجاهليةِ وسفاهة فوقَ سفاهتها ويتجاوزَ بفعلهِ ما فعلَ أبو جهل وأبو لهب مجتمعين.

في تجربةِ المكوثِ تحتَ الحصارِ فوائدَ كثيرةً جمة لا حصرَ لها، لم نكن لنتعلمها من مئاتِ المحاضراتِ والدروس، الجوعُ والخوفُ يا صديقي هما من أفضلِ معلمي العالم، أن تعيش بمكان يعد أخطر أماكن العالم، محروم من أبسط مقومات الحياة، يتبادر إلى ذهنك حصار شعب أبي طالب تولي وجهَكَ السماءَ تدعو ربَك وتسألهُ إيماناً كإيمانِ أهلِ الشعبِ ونصراً كنصرهم.

يسقطُ الإنسانُ حينَ يواجه حججَ الآخرينَ بالعنف، ويُذلُ عندما يُسكت الأفواه ويحرمها من حقِ الكلام بما تهيج به الأنفس، ويداسُ عندما يلجأ لطرقٍ مغوليةٍ همجية لمواجهة الآخرين وهل هناك أسوأ من أن يقاتلَ شعبٌ بلقمةِ عيشه، مُنعوا الطعامَ والشرابَ وحتى الأمان، حاولَ عدوهم قتلَ الحياةِ في هذا الشعبِ لكنه فوجئَ أن الشعبَ أوجدَ داخل الحياة، حياةً ليست كحياتنا ولا تشبهها، حياةً تملؤها العزةُ والحرية، حُوصرت الأجساد في الجغرافية ولكن العزائم تملصت من حصارها وانطلقت تكتب التاريخ ليشهد على قدرة هذا الشعب وقوة عزيمته، قالوا أنك لا تشعر بقيمة الشيء إلا عند فقده، كان الحصار بمثابة "التعليم بالتجربة" لهذه المقولة، درساً عملياً عن إكرام النعمةِ وحفظها والتوكل على المولى في الرزق وشكره على ما قسم مهما كان قليلا.

يُكسر الرجل وتسكب المقلتين دماءً لا دموعا عندما يستشعرُ العجزَ وهو يَقفُ أمامَ ولدهِ يسمعُ صوته، يأن من الجوع فلا يجد ما يسد رمقه به، يغلي داخلهُ وتَنصهرُ نفسه، بكاء الصغار يفتح في وجدان الإنسان خنادق ويدمي القلب والمقلتين، وكم من أب فقد ولده ورأى جسده يوارى التراب بعد ما سلم ذلك الولد الروح لباريها من الجوع، أيُ غضبٍ سيملأُ قلوبَ أولئكَ الرجالِ وأيُ ضيقٍ سيسكنُ أرواحهم أمام تلك المشاهد؟

خرجنا من الحصارِ بعافيةٍ جسديةٍ ونفسيةٍ وروحية وكأننا عشنا رمضان الكريم بشكلٍ مطولٍ بكل روحانياته وما يلزمه من صبر وما يحمله من مشقة
خرجنا من الحصارِ بعافيةٍ جسديةٍ ونفسيةٍ وروحية وكأننا عشنا رمضان الكريم بشكلٍ مطولٍ بكل روحانياته وما يلزمه من صبر وما يحمله من مشقة
 

قيلَ أنهُ ليسَ هناكَ مَن يموتُ من الجوعِ ولكنهُ وُجدَ في عَصرنا هذا أطفالا مَاتوا جوعاً وبرداً وخنقا، صَعدت أنفسهم للرفيقِ الأعلى لِتأكلَ مِن طعامِ الجنةِ وتشربَ من كوثرها تاركةً الدنيا لأهلِ الدنيا وطالبةً جنانَ الرحمن، وما زادَ ذلك الحصارُ الناسَ إلا ثباتاً وإصرارا.

في حضرةِ الحصارِ طارتِ الروحُ طليقة، تحررت من قيودِ الجسد، تَفتَح الفكر، وصفا الذهنُ تماماً منن شوائبِ الحياة، هناكَ علاقةً عكسيةً بينَ البطونِ والعقول، توضحت معالمُ هذهِ العلاقةَ جليةً أمامي في أوقاتِ الجوعِ التي عشناها في الحصار، من إبداعاتِ النفسِ البشريةِ قدرتُها على التحملِ والتكيفِ والتأقلم، لقد لمسُت هذهِ الميزاتَ تماماً بالتجربةِ، بل تجاوزت النفوسُ هذهِ القدرةَ حتى وصلت إلى صنع الفرح والابتسامة في أصعبِ المواقفِ حتى إذا ما قَدِمَ الرِضا جَعلكَ تنسى كلَ الآلام السابقة وتَجدُ نفسكَ تَرى كُلَ ما قد عشتهُ من مصائبَ لم يكن إلا خطوةً في طريقِ النصر.

خرجنا من الحصارِ بعافيةٍ جسديةٍ ونفسيةٍ وروحية وكأننا عشنا رمضان الكريم بشكلٍ مطولٍ بكل روحانياته وما يلزمه من صبر وما يحمله من مشقة، حَوَتْ الأجسادُ مصانعَ تصفيةٍ تَدخلُ التجاربُ للجسمِ فيأخذُ منها ما ينفع ويرمي بالسلبياتِ دون أدنى تأثرٍ بها، كان الحصارُ عملية لإزالةِ شوائبَ النفسِ التي تراكمت مع تواترِ الأيام، الكثيرون وجدوا في حصارهم من الروحانيات ما يغنيه عن ألف خطبة وآلاف المقالات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.