هل كان "هومر سيمبسون" قارئا لـ "ألبير كامو"؟

في إحدى حلقات المسلسل الكارتوني الأمريكي دا سيمسنز، تدخل الابنة ليزا على أبيها حزينة بعد فشلها في احدى المسابقات وهو متكئ كعادته في كنبته ولمواساتها قال لها  "يا ابنتي لقد حاولتيِ أن تعطي  أفضل ما لديك ولكنك فشلتي فشلا ذريعا، إذن الدرس هو لا تحاولي"، عبارة تبدو في الأول محبطة ومدمرة ولا تصلح أن يقولها أب لابنته، لكن من زاوية مختلفة، يمكننا أن نتصالح مع هذا الموقف ويمكننا الإدراك أن لا أحد يصل للكمال، بالتالي لا داعي لمحاولة الوصول إليه، رؤية هومر سيمبسون للحياة أبعد من أن تكون رؤية سطحية فداخل لامبالاته توجد فلسفة متكاملة الأطراف يمكن تصنيفها فلسفة عبثية، فهل هومر سيمبسون -أو بالأحرى مات كرونين مؤلف المسلسل-  ينقل لنا فلسفة العبث لالبير كامو عبر شخصية هومر سيمبسون؟

هل تستحق الحياة أن تُعاش؟

يتصور ألبير كامو أن الحياة بدون هدف كالروتين اليومي المتكرر والأشياء ذاتها والمواعيد كذلك وأيام العطل وأيام العمل والأعياد فكل شيء يسير وفق إيقاع واحد، ذلك ما ولد شعورا بالعداوة البدائية للعالم الذي نشعر اتجاهه بالغربة، وأن الزمن الذي يقودنا لمضاعفة جهودنا هو عدونا ومخادعنا الأول والعقل بطريقته الخاصة يقول أن هذا العالم عبثي. شعور الإنسان بحياته وتمرده يعني صفاءا داخليا وعدم جدوى سلم القيم، فغاية الإنسان العبثي أن يعيش حاضره فقط ولا يخاف المستقبل (بما فيه الموت)، يقول ألبير كامو عن هذا: أصرخ قائلا إنني لا أؤمن بشيء وأن كل شيء عبث.

ألبير كامو كان متواضعا في عدم إيمانه، معتبرا مهاجمة الدين بكثافة شيئا مستهلكا، واعترف كامو أنه ملحد لكنه اختار أن يتحدث باسم الجهل الذي لا يحاول أن ينفي شيئا

علينا أن نتعايش في سلام مع حقيقة أن حياتنا قد لا يكون لها معنى على الإطلاق، وعلينا في النهاية بدل من أن نبكي على لا معنانا، أن نسخر منه ونضحك عليه. وهذا بالضبط ما يحاول أن يفعله هومر سيمبسون: تحويل أكثر مشاكلنا ثقلًا- من علاقاتنا بالآخرين وعلاقاتنا بذواتنا وبحثنا عن الهوية ومحاولتنا معرفة لأي مدى نحن حقًا مسئولين عما يحدث لنا- إلى نكات خفيفة تحملنا على الضحك وكما خاطب هومر سيمبسون عقله في احدى الحلقات "حسنا أيها العقل، أنت لا تحبني وأنا لا أحبك، ولكن دعنا نتجاوز هذا المشكل سويا ثم أواصل قتلك بالبيرة" كما قال في حلقة أخرى "فقط لأنني لا أهتم لا يعني أنني لا أفهم" وهنا يظهر مدى وعي هومر سيمبسون بكون الإدراك عدوا للذات وأن اختياره للامبالة كحل لمواجهة الحياة ليس صدفة والمفارقة الغريبة حول عبثية الحياة أن ألبير كامو في ذروة احتفاله بجائزة نوبل للأدب وذروة تألقه العالمي والمجد والشهرة والثروة اصطدمت سيارته بشجرة ومات.

التدين عند ألبير كامو وهومر سيمبسون

ألبير كامو كان متواضعا في عدم إيمانه، معتبرا مهاجمة الدين بكثافة شيئا مستهلكا، واعترف كامو أنه ملحد لكنه اختار أن يتحدث باسم الجهل الذي لا يحاول أن ينفي شيئا، أي أنه لم يفترض غياب المعتقد كما أنه لم يجزم أن المتدينين على خطأ لهذا السبب رفض الإلحاد متبنيا بدلا منه عبارة "غير المؤمن".

عائلة سيمبسون أكثر من مجرد رسوم كرتونية مضحكة، إنه مسلسل يكشف حقائق حول الطبيعة البشرية ورؤية الفلاسفة للعالم من أفلاطون إلى كانط
 

أدرك كامو أن الشر هو مشكلة إنسانية وليس وليد التدين كما يدعي البعض ويقول على لسان دكتور ريو في رواية الطاعون "كل منا بداخله الطاعون، لا أحد، لا أحد في العالم متحرر منه"، كامو يطرح التساؤلات نفسها التي يطرحها المتدينون، إلا أنه لم يجد العزاء في إيمان أيوب أو خلاص المسيح، ولكنه وجده عند سيزيف: الفكرة هي أنه خلال التمرد والتحمل يمكن لسيزيف أن يصبح سعيدا.

ربما يكون هومر نسخة محرفة قليلا لرؤية ألبير كامو للحياة والتدين فلهومر رؤية خاصة حول الدين، في حلقة بعنوان هومر الكافر (الحلقة 3 الموسم 4) يعلن هومر اعتزاله الذهاب للكنيسة وممارسة طقوسه الدينية بطريقته الخاصة: مشاهدة التلفاز والرقص بملابسه الداخلية. كما يقول أيضا: ما الدافع للذهاب الى مبنى معين كل يوم أحد أليس الإله في كل مكان؟ وماذا إن كان ديننا على خطأ ألسنا نزيد من غضب الإله أكثر فأكثر؟

إن مسلسل عائلة سيمسنز أكثر من مجرد مسلسل عادي عن عائلة أمريكية، فكل شخصية من شخصيات المسلسل تنفرد بفلسفة خاصة في الحياة، العبثية (هومر) والوجودية (مارج) والعدمية (مو الساقي) والتدين (ند فلاندرز) والفوضوية (بارت)، عائلة سيمبسون أكثر من مجرد رسوم كرتونية مضحكة، إنه مسلسل يكشف حقائق حول الطبيعة البشرية ورؤية الفلاسفة للعالم من أفلاطون إلى كانط.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

بدأ تحالف يضم شركات محاماة ومجموعات دفاع القانوني أول تحد قانوني ضد قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخاص بمنع دخول مواطني بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة الولايات المتحدة.

عندما تبدأ السلطات الدانماركية تطبيق حظر النقاب في الأول من أغسطس/آب، لن تترك سابينا نقابها في المنزل بل ستتحدى القانون وتخرج به إلى الشارع احتجاجا عليه.

الأكثر قراءة