مسعود أوزيل.. للقصة بقية

قصة نجاح لاعب كرة القدم الألماني ذو الأصول التركية مسعود أوزيل في الوصول إلى النجومية في عالم كرة القدم وتمثيل الكرة الألمانية في البطولات الدولية، قصة ملهمة لمئات الآلاف من الشباب والشابات المولودين لأسر مهاجرة في ألمانيا، ولأولئك المؤمنين بقيم التعايش السلمي والتعدد الثقافي داخل المجتمع، والمندمجين بشكل ٍفعال بمحيطهم دون الانعزال في تجمعات المهاجرين الصغيرة داخل المدن، فهم يحملون الجنسية الألمانية ويتحدثون لغة أصحاب البلاد، ولديهم من المؤهلات العلمية والأكاديمية والسياسية والثقافية ما يؤهلهم لتبوء مناصب ووظائف مرموقة، يشاطرون محيطهم الألماني منظومة القيم المجتمعية ويلتزمون بالقانون بشكل مثالي، لكنهم يعودون ـ كما يفعل أوزيل ـ  في العطلة الصيفية من كل عام إلى أوطانهم الأصلية لزيارة أقرباءهم وتقوية الهوية الثقافية لأبنائهم.

 

في ذروة توتر العلاقات بين تركيا وألمانيا، يقرر أحدهم بأن يرمي حجرا كبيرا ًعلى تلك الصورة المثالية والرمزية التي يمثلها مسعود أوزيل على طريقة مثيري الشغب في الملاعب، فيصيب به واجهة زجاجية عمل السياسيون المتعاقبون في ألمانيا على تزيينها بشعارات الانفتاح على الثقافات داخل المجتمع، دون الأخذ بعين الاعتبار بأن أول المتضررين من شظايا الزجاج المتطاير هم مئات الألف من أبناء المهاجرين المؤمنين بفرص نجاحهم وتكرار تجربة أوزيل في مجالات أخرى.

 

ما تعرض له لاعب كرة القدم الشاب مسعود أوزيل ظاهره حادثة تمييز عنصري تعرض لها نتيجة التقاطه لصورة تذكارية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وباطنه أزمة قيم باتت تهدد التعايش السلمي الذي يتمتع به المجتمع الألماني منذ وصول المهاجرين الأتراك إلى ألمانيا في بدايات القرن الماضي بفعل السياسة، إذ تعود جذور المشكلة إلى سؤال جدلي حول تعريف المواطنة بالنسبة لأبناء المهاجرين والتشكيك في ولاءاتهم، فهل هم فقط أولئك المنصهرين ثقافيا ًوفكريا ًواجتماعيا ً وربما أيدولوجياً، أم أن دائرة التعريف تشمل المندمجين بشكل فعال في الحياة العامة من ذوي الانتماءات الثقافية المتعددة؟


"عندما نفوز نحن ألمان .. وعندما نخسر نحن مهاجرون"

من خلال تلك العبارة وبذكاء وحكمة لا تقل حرفية عن أداءه في الملعب، أقام مسعود أوزيل الحجة على المجتمع الألماني وعلى قادته السياسيين دون الوقوع في فخ الولاء والانتماء إلى ألمانيا، والذي نصبه العنصريون في ألمانيا للاعب الشاب عقب لقاءه بالرئيس أردوغان والتقاطه صورا ًتذكارية معه، فالمواطنة استحقاق تحكمه جدية الالتزام بالحقوق الواجبات لا الأداء على ملاعب كرة القدم، وما تعرض له أوزيل على يد رئيس أكبر هيئة رياضية في ألمانيا وما سبقها من تصريحات عنصرية أطلقها سياسيون وقادة حزبيون ألمان عقب التقاطه للصور التذكارية مع الرئيس أردوغان، وضع علامات استفهام كثيرة حول مستقبل الأجيال الناشئة من أبناء المهاجرين في ألمانيا في ظل خطاب عنصري متصاعد.

 

فلقد أصبحت المواطنة في ألمانيا بالنسبة لهؤلاء مرهونة مواقفهم السياسية من القضايا الخلافية مع بلدانهم، وبات الانتماء الثقافي لأوطانهم تهمة تعرضهم للمحاكمات السياسية والاجتماعية والإقصاء، وما حصل مع أوزيل ليس مجرد حادثة فردية لا تستدعي التعميم، بالأمس القريب استشاطت الأوساط السياسية والإعلامية غضبا ًمن نسبة المصوتين الأتراك في ألمانيا لصالح التعديلات الدستورية ولصالح الرئيس أردوغان في الانتخابات الأخيرة، وأثارت الصحافة الألمانية تساؤلات حول مدى انتماء هؤلاء إلى ألمانيا وعن سبب الفشل في دمج هؤلاء في الحياة العامة في ألمانيا، وهو ما يثبت بأن الألماني ذو الأصول المهاجرة والمتجرد من الانتماءات الثقافية وصاحب الآراء السياسية المتطابقة مع الرؤية الألمانية هو فقط من يمكنه الوصول إلى المراكز المتقدمة والتمتع بالمواطنة الكاملة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

دعا الباحث والشاعر التركي أحمد مراد أوزيل العالم العربي إلى الانفتاح على الأدب والثقافة التركية، مشيرا إلى أن بلاده تتمتع بمخزون أدبي زاخر لا يزال مجهولا في العالم العربي.

الأكثر قراءة