العلاقات التركية الأمريكية.. هل اقتربت النقطة الحرجة؟

في واحدة من التصريحات التي لم نعتد سماعها من قبل، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه مايك بنس قبل عدة أيام بفرض عقوبات "كبيرة" على تركيا إذا لم تفرج عن القس الأمريكي أندرو بورسون المحتجز لديها بتهم تتعلق بالإرهاب. إن التهديد بفرض "عقوبات كبيرة" على بلد يعتبر حليفا استراتيجيا مهما كتركيا لهو مؤشر على مدى التأزم الذي وصلت إليه علاقات البلدين، مما يستدعي أن نقف مليا أمام هذا الموضوع لنحلل سياقاته وارتداداته المتوقعة.

توصف العلاقات التركية الأمريكية بأنها علاقات تحالف ذو طبيعة استراتيجية. قامت هذه العلاقات برأينا على ركنين أساسيين:

أولا: مفتاح المرور – إسرائيل

لقد شكل اعتراف الجمهورية التركية بإسرائيل عام 1949 في عهد الرئيس عصمت اينونو كلمة المرور أو "الباسوورد" الذي سمح لتركيا بفتح باب التقارب مع الغرب عموما ومع الولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص. جاء الاعتراف التركي بإسرائيل بعد أقل من عام على الإعلان عن قيام "دولة إسرائيل"، وقد كانت بذلك ثاني دولة مسلمة تعترف بإسرائيل بعد إيران. انضمت تركيا إثر موقفها هذا إلى المظلة الأمنية والعسكرية الغربية المتمثلة في حلف شمال الأطلسي "الناتو" عام 1952.

ثانيا: التبعية لا الندية.. سياسيا واقتصاديا

بعد السماح بدخول تركيا إلى الحضيرة الأمنية الغربية وانضمامها إلى حلف الناتو مستخدمة مفتاح المرور العبري، تم بناء العلاقات الأمريكية التركية على أساس من التبعية لا الندية. فقد شكلت تركيا بحكم موقعها الجيوسياسي المتميز رأس حربة لتحقيق المصالح الأمريكية في أواسط وغرب آسيا والقوقاز وعموم منطقة الشرق الأوسط ولا سيما في مواجهة الاتحاد السوفييتي حتى انهياره، وكذلك  دورها مع التحالف الدولي ضد العراق في بداية التسعينيات واشتراكها في التحالف الدولي ضد الإرهاب في أفغانستان حيث أرسلت 1200 من جنودها للمشاركة مع قوات "ايساف" هناك، ولا ننسى أيضا الموقف التركي الحيادي من موضوع الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثمان سنوات على الرغم من قدرة أنقرة على لعب دور مهم في وقف هذه الحرب، إلا أن سياستها حيال الموضوع تطابقت مع الأجندة الأمريكية التي كانت فيما يبدو راغبة في إطالة أمد هذه الحرب إلى أطول فترة ممكنة.

 

لم تكن التبعية التركية للغرب سياسية فقط، بل كان الغرب يعمل أيضا على ضمان تبعية تركيا اقتصاديا له، واعتمادها بشكل دائم على معوناته ومساعداته وعدم امتلاكها القدرة على بناء اقتصاد قوي أو قادر على منافسة الاقتصاديات الغربية، وهذا ما استطاع تحقيقه بالفعل حتى عام 2002. فعلى الرغم من كل ما قدمته تركيا لحماية الأمن الأطلسي إلا أنها لم تحصل في المقابل على أي شيء يذكر لا في المجال الاقتصادي ولا على مستوى الاستقرار السياسي.

 

بداية التحول
استطاعت تركيا أن تحقق قفزات نوعية مذهلة وأن تبني خلال فترة وجيزة اقتصادا حقيقيا على أسس متينة وأن تحجز لنفسها مكانا بين العشرين الكبار في العالم

وصل حزب العدالة والتنمية للسلطة عام 2002، وارثا دولة واهنة وأوضاعا سياسية متأزمة وحالة اقتصادية في طور الاحتضار. إلا أن وصول الحزب الجديد للحكم شكل نقطة لبداية التحول في مسار العلاقات التركية الغربية على وجه العموم والأمريكية على وجه الخصوص. فبعد أن كانت السياسة الخارجية التركية تابعة تبعية شبه مطلقة للإرادة الأمريكية وأجنداتها في المنطقة، فقد عمل قادة العدالة والتنمية منذ وصولهم للسلطة على إعادة التوازن لعلاقات بلادهم مع الغرب والولايات المتحدة وبنائها تدريجيا على أساس من الندية بدلا من التبعية على المستويات كافة السياسية والاقتصادية.

 

كانت البداية عام 2003 عندما طلبت الولايات المتحدة من الحكومة التركية نشر ستين ألف جندي أمريكي على الأراضي التركية تمهيدا لغزو العراق. لم ترفض الحكومة الطلب الأمريكي مباشرة، ولو فعلت ذلك وقتها لكانت محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت عام 2016، قد جرت عام 2003 ولكانت قد وأدت التجربة في مهدها. فالحكومة الجديدة لم تكن تملك من أوراق القوة ما تستطيع به الصمود. قامت الحكومة بدلا من ذلك بإحالة الطلب إلى البرلمان الذي رفض المذكرة الحكومية بفارق ثلاثة أصوات فقط. شكل هذا الرفض مفاجأة مدوية وغير متوقعة استطاعت تركيا من خلالها أن تشذ بذكاء وحنكة عن التعليمات الأمريكية لأول مرة.

 

شكل هذا الموقف ضعضعة لأحد الأسس التي تقوم عليها العلاقات التركية الأمريكية وهو مبدأ التبعية السياسية، إلا أن احتفاظ تركيا بعلاقات جيدة مع تل أبيب ساهم في تخفيف الحنق الغربي خلال الفترة الأولى لحكم العدالة والتنمية. زد على ذلك بأن الظروف الإقليمية في تلك الفترة وانشغال الولايات المتحدة في العراق ساعد على تجاوز هذه المرحلة.

 

أما بالنسبة للجانب الاقتصادي، فقد استطاعت تركيا أن تحقق قفزات نوعية مذهلة وأن تبني خلال فترة وجيزة اقتصادا حقيقيا على أسس متينة وأن تحجز لنفسها مكانا بين العشرين الكبار في العالم. على هذه الأسس بات الاقتصاد التركي منافسا شرسا لأعتى الاقتصاديات الغربية وعلى رأسها الاقتصاد الفرنسي والألماني، كما استطاعت تركيا أن تتخلص عام 2013 من كامل ديونها لصندوق النقد الدولي، علما أن هذه الديون كانت تناهز الـ 16 مليار دولار عام 2002. كل ذلك وجه ضربة موجعة للتبعية الاقتصادية كأحد الأسس التي قامت عليها العلاقات التركية الغربية.

 

أما بالنسبة للعلاقة مع إسرائيل، فقد تعرضت هي الأخرى للعديد من الضربات الموجعة ابتداء من الكلمات اللاذعة التي وجهها رئيس الوزراء التركي عام 2009 للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز خلال مؤتمر دافوس عندما وصفه بقاتل الأطفال، مرورا بأزمة سفينة مافي مرمرة وما تبعها من سحب للسفراء وتعليق للتعاون العسكري بين البلدين بين عامي 2010 و2013 ووصولا إلى الأزمة الحالية التي نتجت عن قتل الجنود الإسرائيليين للمتظاهرين الفلسطينيين على حدود قطاع غزة والتي أدت إلى طرد السفير الإسرائيلي من أنقرة بطريقة وصفت بالمذلة.

 

تركيا اليوم ذات حجم اقتصادي كبير عالميا وذات تأثير سياسي عميق في معظم ملفات المنطقة التي يحتاج فيها الغرب بشدة إلى تعاون تركيا
 

ويبدو أن وصف الرئيس التركي مؤخرا لإسرائيل -على إثر اعتماد الكنيست لقانون يهودية الدولة- بأنها "الدولة الأكثر عنصرية وفاشية في العالم"، ورد نتنياهو عليه بأن تركيا تدخل في عهد أردوغان عصر الدكتاتورية المظلمة لهو دليل ذو قيمة على المستوى المتأزم جدا للعلاقات بينهما. في المحصلة فإننا نرى بأن الأسس التي بنيت عليها العلاقات التركية الغربية عموما والعلاقات التركية الأمريكية على وجه الخصوص، ولا سيما التبعية السياسية والاقتصادية والعلاقات المتينة مع تل أبيب، باتت اليوم في طور الاحتضار، كما أن ملفات التناقض والاشتباك السياسي والدبلوماسي بين البلدين تتعقد يوما بعد يوم. فهل اقتربت تبعا لذلك نقطة اللاعودة في العلاقات التركية الأمريكية؟

 

نعتقد بأن المصالح المشتركة بين البلدين والحاجة الاستراتيجية لكل منهما للأخر أكبر من أن توصلهما لنقطة اللاعودة. لكن لا بد من الإشارة والتأكيد إلى أن العلاقات التركية مع الغرب عموما ومع الولايات المتحدة خصوصا تشهد مرحلة عسيرة من إعادة الهيكلة نظرا لاضمحلال الأسس التي قامت عليها كما ذكرناها أعلاه. فالولايات المتحدة ليس لديها رفاهية فك الارتباط مع تركيا القوية وتركها لترتمي في أحضان قوى أخرى كروسيا والصين، وخياراتها تجاه هذا البلد لا تتعدا الخيارين التاليين:

 

* أما إعادة تركية إلى حظيرة الطاعة كما كانت قبل العام 2002 من خلال استهداف الحكومة والحزب الذين أوصلا تركيا إلى هذه المكانة (محاولة الانقلاب الفاشلة مثلا).

* أو تمزيق تركيا نفسها وضرب اقتصادها واشغالها بنفسها وبصراعات جانبية تستنزف مواردها (دعم وتمويل حزب العمال الكردستاني في سوريا، التلاعب بالعملة، فرض عقوبات اقتصادية عليها الخ).

 

أما بالنسبة لتركيا، فهي الأخرى قد لا تحتمل التكلفة الباهظة الناتجة عن فك ارتباطها السياسي والاقتصادي والعسكري بالغرب وخاصة في ظل عدم وجود شريك دولي موثوق. لذلك فليس أمامها سوى الصبر الاستراتيجي مع التنبه والحذر لكل المخططات المرسومة والتي باتت تركيا حكومة وشعبا مدركة ومتيقظة لها. كما أن تركيا لديها العديد من أوراق القوة التي لا بد من أن تلعبها في مواجهة تحديات المرحلة، ولعل أهم هذه الأوراق هي إدراكها بأن فك الارتباط مع الغرب لن يكون مؤلما لها فقط بل للغرب أيضا (وعلى هذا الوتر تلعب تركيا على ورقة تقوية العلاقات مع روسيا وشراء أسلحة نوعية منها من مثل أس 400).

 

كما أن تركيا اليوم ذات حجم اقتصادي كبير عالميا وذات تأثير سياسي عميق في معظم ملفات المنطقة التي يحتاج فيها الغرب بشدة إلى تعاون تركيا. أضف إلى ذلك موقعها الجيوسياسي المهم وثقلها العسكري المتميز كثاني أكبر جيش في الناتو. كل هذه العوامل تجعل من تركيا خصما عنيدا لا يمكن للغرب أن يقزمه أو يحجمه بسهولة.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

هدد الرئيس الأميركي تركيا بـ"عقوبات شديدة" إذا لم تطلق "على الفور" القس الأميركي أندرو برانسون الذي يحاكم في تركيا بتهم الإرهاب والتجسس، إلا أن أنقرة رفضت التهديد الأميركي.

الأكثر قراءة