الإسكندر الأكبر.. ما بين التابوت والمقبرة!

أعادت قضية "تابوت الإسكندرية" المُثارة في الأيام الماضية؛ تجديد فكرة البحث عن مقبرة الإسكندر الأكبر، والحقيقة أنه ما من مشكلة أثرية سببت جدلًا بهذا الحجم كما سببت مشكلة تحديد مقبرة الإسكندر الأكبر، وهي مشكلة قديمة ترجع إلى نهاية القرن الرابع الميلادي حينما سأل القديس يوحنا فم الذهب (374-407م) شخصاً آخر قائلاً له: أخبرني أين توجد مقبرة الإسكندر؟

واستمرت تلك المشكلة في العصور التالية، ثم ظهرت بوضوح مع بداية القرن التاسع عشر؛ حيث تذكر المصادر أن المواطنين السكندريين أخبروا الجنود البريطانيين بأن الحملة الفرنسية أخرجت تابوت الإسكندر من "مسجد العطارين" قبل أن تغادر مصر عام 1801م، ثم قام الجنود البريطانيون بنقل التابوت إلى "متحف لندن" بعد أن وجدوه في موقع "المستشفى الفرنسي" بالإسكندرية، ولاحظ معي أن حديث المواطنين السكندريين هنا دار حول التابوت وليس المقبرة أو المومياء، ولذلك يجب علينا أن نتساءل: هل الإسكندر الأكبر مدفون بالإسكندرية فعلًا، أم لا؟  

 

ولكي نجيب على هذا الاستفسار يجب علينا أن نعرف أن الإسكندر الأكبر (356-323 ق.م) قد مات عن عمر يناهز 32 عامًا في بابل بالعراق، وكانت أمنيته قبل موته – كما تذكر بعض الروايات – أن تُلقى جثته في نهر الفرات، وإن كانت الروايات التي نطمئن إليها أكثر توضح لنا أن الإسكندر رغب في أن يُدفن جسده في واحة سيوة بمصر، لكن ما حدث هو أن ورثته اختلفوا بعده وكل منهم رغب أن يُدفن الإسكندر في مملكته كي ينال شرعية خلافته.

 

كان الاعتقاد السائد لقرون طويلة هو أن مقبرة الإسكندر وتسمى (السوما) تقع عند تقاطع الشارعين التاريخيين الرئيسيين الطولي والعرضي بالإسكندرية
 

حيث قرر القادة اليونانيون نقل جثته إلى مسقط رأسه بمقدونيا، ولكن ملك مصر بطليموس الأول سوتير (367- 283 ق.م) اعترض طريق القافلة في سوريا وأبلغ المقدونيين أن مصر أولى بجثته من مقدونيا، فاشترطوا عليه كي يتركوا له الجثة أن يتم دفنها في مدينة ممفيس (منف حاليًا) وليس في واحة سيوة كما أوصى قبل وفاته بذلك، وكان السبب في ذلك أن يظل جثمان الإسكندر في حماية بطلميوس الأول، أما إذا نُقل إلى واحة سيوة بعيدًاً عن العاصمة فسيكون في ذلك خطرًا على الجثمان والمقبرة.

 

ولكن الجثمان لم يظل في ممفيس طويلاُ؛ فقد نُقل إلى الإسكندرية بعد ذلك وخاصة أن الكاهن الأكبر لممفيس كان قد حث على نقله خوفًاً من تعرض المقبرة هناك لأي خطر قادم مع برديكاس (أحد ورثة الإسكندر 365- 321 ق.م) وأتباعه الذين قادوا معارك عديدة من أجل الاستئثار بجثمان الإسكندر، ثم قام بطليموس الثاني فيلادلفوس (309 – 246 ق.م) بعد ذلك بوضع المقبرة بالقرب من أكبر مربع بالمدينة حتى يلفت الانتباه إليها، وهكذا أصبحت مقبرته بالإسكندرية قِبلة أنظار الشعوب القديمة بل والحرم المقدس بالنسبة للزائرين.

 

كما أن الأباطرة الرومان كانوا يزورون مقبرة الإسكندر باستمرار ويُظهرون احترامهم نحوه، ومن هؤلاء يوليوس قيصر (100 – 44 ق.م) الذي زار المقبرة ووقف أمام الجثمان برهة وهو خاشع، كما زارها أغسطس (63 ق.م – 14 م) الذي نظر إلى الجثمان باحترام وأقام أكاليل الزهور أمام المقبرة، وزارها أيضاً الإمبراطور سبتيموس سفيروس (145 – 211 م) الذي قام بوضع كل البرديات المقدسة التي جمعها من المعابد داخل التابوت الزجاجي للإسكندر. ولذلك نستطيع أن نقول: إن الكُتاب والمؤرخين القدامى الذين أخبرونا بوجود جثمان الإسكندر الأكبر بالإسكندرية قدم كل منهم دليله، وإن كانت بعض دلائلهم مختلفة إلا أنّ جميعها تؤكد على وجود الجثمان والمقبرة بالإسكندرية.

 

وقد ظل موضع المقبرة بالإسكندرية هو الذي يشغل الحيز الأكبر من الآراء بداية من القرن التاسع عشر ولا يزال حتى الآن، وكان الاعتقاد السائد لقرون طويلة هو أن مقبرة الإسكندر وتسمى (السوما) تقع عند تقاطع الشارعين التاريخيين الرئيسيين الطولي والعرضي بالإسكندرية، أي أنها في وسط المدينة الحالية ما بين في "كوم الدكة" ومسجد "النبي دانيال" وقد أثبتت الحفائر بعد ذلك أن هذا الاعتقاد خاطئ، وبالرغم من أن هناك أكثر من 140 محاولة مصرية وعالمية للكشف عن موقع (السوما) إلا أنها لم تقلح حتى الآن في العثور عليها؛ ورغم ذلك لا تزال الآمال تتجدد كل فترة للوصول إليها، وهذا شيء ايجابي نرجو أن يتحقق يومًاً ما.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قتلت عناصر وزارة الداخلية المصرية أربعة أشخاص داخل شقة سكنية في محافظة أسيوط، وقالت الوزارة إنهم ينتمون لحركة "حسم" وضالعون في مهاجمة موكب مدير أمن الإسكندرية السابق في مارس/آذار الماضي.

قالت وزارة الآثار المصرية أمس الخميس إنها وجدت "دفنة عائلية" داخل التابوت الأثري الضخم الذي عثر عليه بالصدفة في وقت سابق من هذا الشهر بمدينة الإسكندرية، لكنها ليست مومياوات ملكية.

الأكثر قراءة