أوراق عائد من أفغانستان (6).. الأحجار الكريمة في أفغانستان

غير بعيد عن سوق المدينة الصاخب هناك سوق منزو في أحد أركان بناية شبه معزولة عنه.. إنه سوق الأحجار الكريمة.. سعينا لإنجاز تقرير عن عملهم وكيفية وصول تلك الأحجار الكريمة بشكلها الخام إليهم. أسعار البيروج والياقوت وغيرها مغرية إلى الدرجة التي تجعل الكثير من كبار التجار الإيرانيين والباكستانيين والهنود يقصدونهم لشراءها ثم صقلها وتلميعها ليبيعوها بأغلى الأثمان في بلدانهم ويسوقوها على أساس أن منشأها من أوطانهم.

 

ومثلما يقتل الظمأ العيس في البيداء والماء فوق ظهورها محمول يقتل الفقر الأفغان والأحجار الكريمة مطمورة في بطون جبالهم. فخلال إنجازنا تقريرا عن تهريب الأحجار الكريمة زارت كاميرتنا خلسة أحد المناجم السرية في ولاية كونار القريبة كنموذج للاستخراج غير القانوني لهذه الأحجار. تسللت الكاميرا إلى المنجم وصورت بعض العاملين فيها.. كانوا يعملون في ظروف بدائية دون أي حماية تذكر كما أن رواتبهم الزهيدة بالكاد تكفيهم في بلد يعد الحصول فيه على عمل مهما قل شأنه إنجازا لا يمكن التفريط فيه. وبعيدا عن المنجم ينتظر المسلحون وصول الشاحنة التي تنقل الأحجار في شكلها الخام الأولي ليحصلوا منها ما يشبه الضريبة مقابل حماية المنجم وضمان استمرار عمله.

 

والمفارقة العجيبة أن نشاط المناجم السرية للأحجار الكريمة مزدهر في عموم أفغانستان إلا أن التوتر يبلغ ذروته في كل مشاريع المناجم التي تشرف عليها الدولة الأفغانية حيث توقف العمل بها جميعا فاسحا المجال أمام نشاط المناجم السرية. ولا يصعب على عاقل أن يكمل رسم القوس الدائري ويستنتج أسباب هذا التوتر الموجود في محيط المشاريع المنجمية للدولة.

 

تبقى عادة "الباشا بوشي" أخف وطأة من عادة "الباشا بازي" حيث يلجأ بعض أمراء الحرب إلى استغلال الغلمان الفقراء حيث يتم إلباسهم لباس البنات وتزيينهم بالحلي بعد تدريبهم على التمايل

غير بعيد عن سوق الأحجار الكريمة يوجد السوق الشعبي لجلال آباد حيث ترتاده العائلات الأفغانية والكثير من النساء مرتديات البرقع الأفغاني الأزرق.. هذا اللباس المستورد من الهند قبل قرن من الزمان أصبح يحمل طابعا أفغانيا مع مرور الزمن ويكثر ارتداؤه في الأرياف. يكبل هذا اللباس المرأة الأفغانية ويجعلها أسيرة ما يشبه السجن المتنقل تطل من شباكه على العالم الخارجي وقد انتشر هذا اللباس التقليدي بقوة في عهد حكم طالبان بحكم تشديد الحركة على اللباس الإسلامي.

 

في السوق نفسه لاحظنا أحد الرجال إلا أن مظهره يجعلك تمعن النظر فيه مجددا.. إنه في الحقيقة فتاة متنكرة في زي ولد. وهذه العادة معروفة في أفغانستان باسم "الباشا بوشي".. ولأن الخروج من البيت والعمل خارجه شبه محظور على البنت في أفغانستان بحكم العادات والخوف أيضا إلا أن هذه البنت تحدت الصعاب وهي تشتغل في مصنع للنسيج وتقول إنها تلجأ إلى هذا الحل لتعيل أسرتها وأهلها. كانت متفهمة ووافقت على تصويرنا إياها بعد اتفاق مسبق معها لعرض حالتها وإيصال صوتها ولكم كانت خيبة أملي كبيرة حينما وجدنا أن ورشة الخياطة التي تشتغل بها قررت أن تغلق أبوابها طيلة شهر رمضان الكريم.

 

وتبقى عادة "الباشا بوشي" أخف وطأة من عادة "الباشا بازي" حيث يلجأ بعض أمراء الحرب إلى استغلال الغلمان الفقراء حيث يتم إلباسهم لباس البنات وتزيينهم بالحلي بعد تدريبهم على التمايل وأداء الرقصات النسائية ليرقصوا في بعض الحفلات الخاصة الرجالية وكثيرا ما يخضع هؤلاء المساكين للاستغلال الجنسي مقابل حفنة من المال أو وجبة طعام. ورغم تراجع هذه العادة ومنعها من قبل السلطات إلا أنها تبقى منتشرة ولعل الزائر لباعة الأقراص الغنائية في كابل يمكنه أن يجد بسهولة تسجيلات لتلك الحفلات الشاهدة على اغتيال البراءة والطفولة في هذا البلد الجريح.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة