هل يحتاج الصومال إلى حزب سياسي ذي مرجعية إسلامية؟

يعاني الصومال عدم الاستقرار السياسي والإداري والاجتماعي منذ سقوط الحكومة المركزية الصومالية قبل أكثر من ربع قرن من الزمان، وهناك محاولات كثيرة في إعادة البلد إلى وضعه الطبيعي ولملمة جراحه وإخراجه من المستنقع الذي انزلق فيه وتعافيه من كل المشاكل التي يعاني منها، ولكنها باءت بالفشل، وتحول الوطن إلى كنتونات قبلية وإدارت عشائرية ترفع كل واحدة منها علمها الخاص بها، وتضع حدودا بينها وبين أقرب منطقة يسكن فيها من لا يشاركها في النسب والعرق المصطنع بين الصوماليين، ومع ذلك الوضع الحالي أحسن بكثير مما كان عليه من قبل.

لا يوجد في الصومال مؤسسات للمجتمع المدني حكومية كانت أو أهلية، من النقابات المهنية أو الاجتماعية بالمعنى المتعارف عليها دوليا، وإن كان هناك بعض الجمعيات التي تحاول أن ترفع صوتها قليلا للتحذير أو التنبيه على الخطر المحدق بالمجتمع ما لم يوجد هناك عمل رسمي أو طوعي يتصدى له ويعمل في رفع وعي الناس تجاهه في مجالات الحياة المختلفة. وأما فكرة وجود الحياة البرلمانية وتأسيس الأحزاب السياسية لم تتبلور بعد مع وجود برلمان يمارس بعض الصلاحيات وإقراره بعض البنود والقواعد التي تنظم العمل الحزبي إلا أن الوضع يحتاج إلى سنوات ليست بالقصيرة حتى يتقبل الشعب الصومالي بممارسة حقه الانتخابي وفق مبادئه ومصالحه بعيدا عن التهييج القبلي والعرقي.

وقد جرب الصوماليون النظام الحزبي بعد الاستقلال مباشرة قبل أكثر من ستين سنة – قبل الانقلاب العسكري في عام ١٩٦٩م، ولكن فشلت الأحزاب في بناء مجتمع ديمقراطي يسعى إلى إصلاح أنظمة الحكم وخدمة المجتمع ومحاسبة المسؤولين حسب الأنظمة المرعية، بل أصبحت واجهة لقبائلها وعشائرها وتحول البلد إلى مستنقع للمحسوبية وسوء الادارة، مما جعل الناس يتمنون بأن تعود فترة الاستعمار والاحتلال الأجنبي، لأن السياسيين الذين تولوا سدة الحكم بعد الاستقلال غدو أسوء من حكام المستعمر.

التيار الإسلامي الصومالي سواء انتمى إلى حركة أم كان فردا فقد انخرط في الساحة السياسية من قبل، بدأً من المحاكم الإسلامية وما أعقبها من حكومات فقد وصلوا إلى أعلى منصب في البلد

وفي تلك الفترة الصعبة من تاريخ الصومال الحديث حيث كان الشعب يكافح من أجل استرداد حقوقه المصلوبة، وقف صفا واحدا على وجه أعدائه وكان يتعالى عن القبلية والجهوية وكل النعرات المفرقة بين الناس ويحلم بجمع شتات ابنائه، وكان يضرب به بالمثل في التلاحم والتكاتف وحب البلد والافتخار بالوطنية والتأفف عن التفرق والاختلاف، ولكن بعد الاستقلال ونشاءة الدولة الصومالية الحديثة عجز عن تأمين وحفظ هذه السمات الحميدة والأخلاق العالية وهذا الشعور النبيل بسبب ممارسات وأفعال السياسي الفاسد الباحث عن الشهرة والربح السريع، الذي حول البلد الذي كان يسع للجميع إلى مزرعة لأبناء عمومته وحاشيته، واضطر الشعب إلى أن يتحول من مواطن صالح إلى دمية تابعة لكل ناعق وتافه، فأصبح فرقا وجماعات تتقادفها الأهواء.

فإذا كان الشعب الصومالي لم يستطع التعايش مع نظام الأحزاب في تلك الفترة التي تعد من أجمل أيام الصوماليين، فيا ترى هل يستطيع التعاطي والتعامل مع نظام الأحزاب عوضا عن القبيلة بعد أن قُسم البلد إلى دويلات قبلية ووزعت المناصب على اعتبارات عرقية فأخذت بعض القبائل بنصيب الأسد بينما انقلبت الأخرى بخفي حنين. 

وأعتقد -والعلم عند الله تعالى- أن الشعب الصومالي ليس جاهزا في الوقت الراهن بقبول الأحزاب السياسية التي تنطلق من مبادئ وتعلى الانضباط الأيديولوجي والتنظيمي، وتقدم أصحاب الرأي والخبرة والعلم بغض النظر عن أصولهم العرقية أو الاجتماعية، لأن الولاء القبلي يزاد ضراوة في كل يوم، ولا يمكن أن تكتفي كل قبيلة حزبا واحدا بل كل بطن وفخذ سيكون له حزبه الخاص.

وأما التيار الإسلامي الصومالي سواء انتمى إلى حركة أم كان فردا فقد انخرط في الساحة السياسية من قبل، بدأً من المحاكم الإسلامية وما أعقبها من حكومات فقد وصلوا إلى أعلى منصب في البلد وأصبحوا الحلقة الصغيرة المحيطة بقرارات القصر الرئاسي في فترات مختلفة، ولكنهم انشغلوا بمآربهم الحزبية والشخصية، فكانوا سببا في تدهور سمعة المتدين وإساءة الظن بهم لأن أفعالهم كانت تناقض أقوالهم. 

ولا يمكن للصومال أن يخرج عن محنته الحالية إلا العودة الصحيحة إلى الإسلام الشمولي الذي يغطي جميع مرافق الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع وجود فئة من الناس تؤمن هذا المبدأ تدينا لا تصنعا، تحقيقا للعبودية المطلقة للباري سبحانه وتعالى، لا تكتيكا لتحقيق مآرب أسرية وفئوية وحركية وشخصية. 

والصومال مُقبل على تأسيس أحزاب سياسية وسوف تحمل هذه الأحزاب أسماء ولافتات وطنية ولكن الشعب لا تنطلي عليه هذه الأسطوانة الفارغة لأن العصابات والجبهات التي أعادت البلد إلى الوراء بعشرات السنين، هي أيضا كانت ترفع شعارات وطنية وأهازيج قومية، ولكنها ارتكبت الفظائع في حق الوطن والمواطنين، ولا تستطيع أن تعيد البسمة إلى محيا الناس حتى ولو فازت في الانتخابات بسبب التأليب القبلي والعرقي. إذا الطريق الوحيد والصحيح في مساهمة ومشاركة حل مشاكل الصومال هو تأسيس حزب سياسي تكون مرجعيته الإسلام بفهمه العام والشمولي وما عدا ذلك سيكون مضيعة للوقت وإهدارا لمقومات البلد من دون فائدة.

أكبر خصم سيواجه الحزب الإسلامي هو الحركات الإسلامية الصومالية بجميع أنواعها وأشكالها لأنه سيسحب البساط من تحتها وينهي دورها السياسي والشعبوي

ولكي يتحقق ذلك ينبغي مراعاة الأمور التالية عند تأسيس هذا الحزب:
* أن تكون عضويته مفتوحة لجميع أفراد الشعب الصومالي من مثقفين وسياسيين وإداريين وعلماء وتجارا رجالا ونساء.
* أن يكون العضو مقتنعا بالمرجعية الكاملة للإسلام مع اعتماد المذهب الشافعي في مسائل الفروع. 
* أن يترك الحزب الدعوة ومجالاتها للعلماء والدعاة والمتخصصين فيها.
* أن لا ينتمي الحزب ولا يكون عضوا في الحركات الإسلامية الصومالية العاملة في الساحة مهما كان وزنها وشعبيتها وتأثيرها في الشارع، حتى لا يكون أداة بقوة خفية ولا يتحكم في قراراته مجهولون.
* الاعتماد بمبدأ الشفافية والمحاسبة في إدارة الحزب وأن يكون النظام فوق الجميع.
* عدم السماح لعضوية الحزب لكل من تولى منصبا في القطاع العام أو الخاص وتحوم حوله شبهات في سوء الإدارة أو التربح غير الشرعي.
* ألا يتولى المناصب العليا في الحزب أحد ممن تولى منصبا مرموقا في الحركات الإسلامية حتى لا يصبح الحزب جزأ من حركته.
* إقرار الذمة المالية لكل قيادات الحزب والهيئة التنفيذية ونشرها بين الناس.
* تحديد مصادر التمويل للحزب وعدم قبول التبرعات التي لا تتطابق مع أهداف الحزب ولوائحه. 
* السعي لاستفادة كل من له خبرة في مرافق الحياة المختلفة وتوظيفهم إن أمكن ذلك.
* أن تكون الأولية في العمل في قطاع الخدمات الأساسية قبل التطلع إلى المناصب العليا في الحكم.
* أن لا يتولى المنصب الأعلى للحزب إلا من ينتمي إلى القبائل الصومالية التي صٌنفت بغير حق بأنها صغيرة، لأن ذلك أدعى لقبول الشعب للحزب، وإلا سيقال بأن الذين نهبوا البلد غيروا جلودهم من أجل سرقتنا مرة أخرى.

وأما العقبات التي ستقف أمام هذا الحزب كثيرة ومتعددة، وتتكون من جبهات متعددة لا يجمعها رابط أيدلوجي أو قَبلي أو مصلحي بل تعتقد بأنه يمثل خطرا على وجودهم وتصدرهم في المشهد السياسي الصومالي وسوف ترميه عن قوس واحد ولا تسمح له أن يلتقط بأنفاسه، ويمكن التفادي أو التقليل من تأثيرهم إذا ما أحسن الحزب في طريقة تعاملهم وعدم مواجهتهم قبل اكتساب شعبيته.

وأكبر خصم سيواجه الحزب هو الحركات الإسلامية الصومالية بجميع أنواعها وأشكالها لأنه سيسحب البساط من تحتها وينهي دورها السياسي والشعبوي، وتعتقد بأن كل حزب سياسي بمرجعية إسلامية يجب أن يخرج من رحمها ويتقيد بتوجيهاتها، وتكون هي الآمرة والناهية في جميع تصرفاته وعلاقاته الداخلية والخارجية، ويكون ولاءه للحركة وقادتها، فإذا لم يفعل ذلك فلا تدخر جهدا في تشويهه وتحطيمه أمام الرأي العام، ولذا يجب التنبه لهذا الأمر الخطير. وأخيرا هذا رأي قد يكون صحيحا وقد لا يكون كذلك، يمكن تطويره وتصحيحه وتفعيله، فمن جاء بخير منه ينبغي الترحيب به.



حول هذه القصة

انفجرت سيارتان مفخختان في مدخل مقر وزارة الداخلية الصومالية بالقرب من القصر الرئاسي اليوم في العاصمة مقديشو الذي اقتحمه مسلحون من حركة الشباب المجاهدين، ما أوقع تسعة قتلى وعشرة جرحى.

7/7/2018

أقيمت بالعاصمة الصومالية مقديشو مسابقة شبابية في القصة القصيرة لتشجيع الإبداع الأدبي للشباب وحثهم على إبراز ملكاتهم الأدبية.

6/7/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة