فطرة الخوف.. لولا وجود الخوف ما وجد نقيضهُ!

شعور الخوف انفعال طبيعي يمر على جميع الناس على اختلاف أعمارهم أشكالهم أماكن سُكناهم حالاتهم الاجتماعية وكل تلك التفاصيل النفسية التي تقيم في أعماق النفس البشرية، جميعنا نخاف يراودنا ذلك الشعور بمواقف وأحداث وأفكار مختلفة أيضاً، كذلك البيئة التي يعيش فيها الإنسان تساهم في خلق حالات خوف بالنسبة لهُ قد ترافقهُ طوال العمر كالحروب والجرائم والمشاهد المروعة التي تترك ندبات خوف في نفس الإنسان يصعب عليهِ تجاهلها والخلاص منها هو يتناساها ليكمل طريقهُ، ويكذب من يقول إنه لا يخاف، يخاف المرْء كل جديد يطرأ على حياتهُ يخاف أن يغادر دائرة الأمان المتمثلة بعائلتهُ ومن يحبهم، يخاف المرض والتقدم في العمر وكل تلك الأفكار التي تدفعهُ للسهر، يَخَاف أحياناً حتى من نفسهُ خشية أن تخذلهُ أمام الآخرين! يخاف الطفل وأيضاً يخاف الشيخ العجوز، ويخاف ذلك الشاب المفعم بالحيوية والنشاط كُلاً حسب أولوياته.

كما لاهتماماتنا أولويات، لمخاوفنا كذلك أولويات، بعضها نتجاوزها بمجرد أن نخطو الخطوة الأولى فوق أرضيتها التي نجهلها فيتلاشى شعور الخوف وتغدو طبيعية وعادية قد نلوم أنفسنا كثيراً كوننا شعرنا بالخوف اتجاهها. لا أرغب في تحديد مساحة للخوف، فما قد يثير فيكَ ذاك الشعور يكون أمراً أقل ما يقال عنه إنهُ مضحك بالنسبة للآخر، لذا هو الخوف فقط. هنالك من يخاف الفشل بذات الإحساس الذي يجعل شخصاً أخر يتردد في خطواتهُ نحو النجاح خوفاً أن لا يحرز نجاحاً بالمستوى المطلوب، أو نجاحاً بمستوى نجاحاتهُ السّابقة هو كخوف الفاشل من خوض مغامرة جديدة تأخذهُ نحو فشل جديد وتصيبهُ بخيبة أمل أكبر يصعب عليهِ التعامل معها ومواجهة الناس بها.

الخوف يعطل عليك حياتك إن توقفت عندهُ، ولكنهُ يعلمك كثيراً إن مررت من خلالهُ وواجهتهُ لربما يسبب لك الحزن في حين أو الرهبة والضياع والحيرة في حيناً آخر لكن ما بعد الخوف أمان لا محال

الناس.. قد يشكلون محور الخوف لبعضهم البعض ألسنة وعيون تنتظر ما يملي عليها أوقات فراغها، نخاف الأشخاص السيئون اولئك الذي يؤذون ويفسدون في الأرض ويتفاخرون بذلك هؤلاء علينا ألا نخافهم فقط، وإنما أخذ الحيطة والحذر في تعاملنا معهم ولا نتجاوز حدودنا في الاقتراب منهم. كذلك خوف البعض من بعضهم يؤدي إلى حياة معطلة وأيام متشابهة، لا طالع فيها سوى قالوا قلنا يقولون وانظروا لهذا وذاك وتلك ماذا فعلوا وماذا سوف يفعلون، إن كانت حياتك كذلك فهو لأمرٌ مثير للخوف غادر ألسنة الناس وعيونهم وعِش الحياة بطريقتك بألوانك وأحلامك وأهدافك أنت.

يبقى الخوف سبباً في تعطيل حياة الكثير كونهُ شعور لا سلطان لنا عليهِ، هو يوهمنا بخيالات وأوهام بعضها يصيب وأكثرها يخيب. قد يخاف الرجل من الارتباط كونهُ ليس على استعداد من أن تدخل حياتهُ امرأة تعد لهُ ساعات غيابهُ عن سقف المنزل، وتنقل أوراقهُ من على المكتب إلى أقبية الأدرج وتحبس أفكارهُ وإبداعهُ هناك هو عاشقٌ لتلك الفوضى من حولهُ، وقد يخيفهُ أن يكون على الجانب الآخر من السرير شخصاً مصيرهُ مرتبط معهُ هو الذي اعتاد على تقلبات الحياة وتغيراتها والتأقلم ببساطة معها، تلك المخاوف تأتي بواقع فكرة لكن لا تلبث كثيراً حتى تغادر ويعود الشخص لممارسة يومهُ بشكل طبيعي.

يحتم علينا الواقع أن نخاف بمنطق ألا نرمي بأنفسنا في التهلكة ثم نقول ليتنا ما كنا.. ما فعلنا يا ليتنا كنا أكثر إيماناً بمخاوفنا وفكرنا ملياً وصدقنا الخوف ذاك. الخوف يعطل عليك حياتك إن توقفت عندهُ، ولكنهُ يعلمك كثيراً إن مررت من خلالهُ وواجهتهُ لربما يسبب لك الحزن في حين أو الرهبة والضياع والحيرة في حيناً آخر لكن ما بعد الخوف أمان لا محال. وجميع البشر يتفقون على أن الفقد وفراق الأحبة نوعاً من أنواع الخوف الذي يفصحون عنهُ برضا ومن دون تردد. كل خوف يعلمنا ألا نخاف ونرفع سقف مخاوفنا أكثر فأكثر وهكذا هي الحياة. في المقابل هنالك فئة من البشر تواجه كل ما ذكرتهُ براحة وتقبل كبيرين، لكن هؤلاء المرهفون لديهم أيضاً مخاوفهم الخاصة وأنا واحدة منهم.

قد تكون المخاوف كثيرة أشدها تلك التي نكون وإياها على المحك دائماً وبشكل شبه يومي.. لذا تعلم أن تخاف لكن لا تعطل حياتك بسبب ذلك الخوف
 

في كل مرة أكتشف تفاصيل جديدة وجميلة في هذهِ الحياة أشعر بالخوف بأن لا يتسع هذا العمر لأن أعرفها وأكتشفها وأنظر إليها وإن كان ذلك من خلال شاشة الهاتف فقط.. أخاف ألا أعرف كل تلك الكُتب المليئة بالأحداث الشيقة التي تستحق القراءة وتصيبني بنشوة السعادة بعد إتمامها بشغف خلال أربع وعشرين ساعة. أخاف ألا اشاهد تلك الأحداث والحوارات السينمائية التي تستحق أن أقف للتصفيق بعدها للكادر الذي أنتج عملاً أسطوري كهذا. أخاف على تلك التفاصيل التي أحبها ماذا لو حلت كارثة وكنت مُفطرة لترك منزلي ماذا سآخذ معي مثلاً! محال لن أخذ شيء وأترك أخر أنا أحب تلك التفاصيل المقدسة التي تخصني على الرغم من أنها قد تكون بلا معنى كقصاصة ورق صغيرة كُتبت صدفة في أحد أيام الشتاء!

أنا أيضاً أخاف أن أمر بجانب أحدهم وهو بحاجة للمساعدة ولكن لم يسعفني الوقت أو المكان أو حتى هو الشخص بذاته تردد في طلب ذلك، ولم أستطع مساعدتهُ تخيفني كثيراً فكرة إني قد لا أستطيع مساعدة أحدهم إن كان في وسعي ذلك أم لا. أخاف أن أتلاشى من على هذا الكوكب قبل أن أتعلم السباحة وأطفو في الماء كالأسماك وأشعر أن لي جناحان كعصفور في وسط هذا العالم الأزرق.

قد تكون المخاوف كثيرة أشدها تلك التي نكون وإياها على المحك دائماً وبشكل شبه يومي.. جميعنا نرغب الوصول في الوقت المناسب لكيلا نتأخر عن العمل والقيام بمهامنا على أكمل وجه لكيلا نغضب شخصاً أخر لا يعنيهِ سوى إيداع حفنة من المال آخر كل شهر في حسابهُ، وأنت كذلك مثلهُم تماماً لذا تعلم أن تخاف لكن لا تعطل حياتك بسبب ذلك الخوف، قد أكون ذكرت الخوف كثيراً في سطور هذا النص لكنها زاوية من زوايا الحياة التي تشعرنا بنقيض الخوف بالأمان والطمأنينة والسلام.. الشجاعة والصبر والهدوء، لولا وجود الخوف لما وجد نقيضهُ.



حول هذه القصة

أعلن زهير بهلول النائب العربي بالكنيست (البرلمان الإسرائيلي) استقالته على خلفية إقرار قانون الدولة اليهودية القومية المثير للجدل الذي أقره المجلس بقراءته النهائية في 19 يوليو/تموز الجاري.

29/7/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة