سيكولوجية المسؤول في بلادنا!

هل تساءلت يوماً لماذا تتنافس وتحلم بأن تصبح مسؤولاً؟ هل منصبك كمسؤول سواء مديراً أو رئيساً هو منصب سلطوي أم تنظيمي؟ بامتلاكك للمسؤولية هل تعتقد أنك امتلكت أحد أدوات التسلط الاجتماعي، والسمو الطبقي؟! اتحدث هنا تحليلاً: لماذا يتحول المسؤول في بلادنا -أياً كانت المسؤولية التي يحملها- إلى سيدٍ مُتحكم يعتقد أنه يملك القوة والأفضلية، ويعلو ويسمو فوق أولئك الذين يخضعون لمسؤوليته.

تكمن المشكلة في فهم المجتمع لوظيفة المسؤول ففهم المجتمع هو الذي يحدد مكانة المسؤول، والمسؤولية التي أتحدث عنها هنا هي أي مسؤولية يحملها الإنسان في المجتمع كضابطٍ في الجيش، أو مديراً في شركة أو وزيراً أو شرطيَّ مرورٍ. يقول ميخائيل نعمة: "قبل أن تفكروا بالتخلص من حاكم مستبد، تخلصوا مما يستبد بكم من عادات سيئة وتقاليد سوداء".

إن استيعاب المسؤول لمنصبه يُبنى على ردة فعل المجتمع تجاه توليه المسؤولية، لنضرب هنا مثالاً لشخصٍ تم تعيينه عميد كلية الهندسة المعمارية، سيشيع الخبر بين أقاربه وأصدقاءه فيتوافدون مُهنئينه بذلك الإنجاز، وهنا تبدأ المشكلة! ويبدأ تغييب هذا الشخص عن الوعي الحقيقي بمنصبه وعن ماهية منصبه ودوره، فيتحول جُل اهتمامه من كيفية إدارة العملية التعليمية في الكلية إلى كيفية المحافظة على هذا المنصب، فنجده لا يعرف كعميدٍ إن وظيفته هنا هو أن يكون مسؤولاً عن كلية الهندسة؛ يعني أنه مسؤولٌ عن تنظيم شؤون كلية الهندسة.

 

انظر إلى تيرزا ماي وهي تجلس في مجلس العموم تحاجج عن حكومتها وتبرر أفعالها، تحاول إقناع الناس بما تفعل! إنها تظهر بمظهر المسؤول المُساءَل وليس بمظهر السلطوي صاحب الملك كما في بلادنا
 

وكلية الهندسة هي صرحٌ يتم فيه نقل المعرفة للطلاب الذين سيخرجون للمجتمع ويذكون فيه العمران، فبالتالي وظيفته تنظيم هذه العملية، وهذه الوظيفة لا تستحق منه أن يكون متكبراً يتعامل مع الطلبة كأنه صاحب السلطان والمُلك، فلا يقدر أحد أن يُقابله أو يتكلم معه أو يعترض على قراراته، والذي يعزز هذا الشعور السلطوي عنده هم أولئك المرائين المتسلقين الذين بدورهم لا يملكون الوعي بماهية وظيفة المسؤول عنهم.

شخصية المسؤول -التي يحددها المجتمع- ومدى اتزانه وتمتعه بالضمير الحي هي العنصر الأساسي لنجاح الوظائف المجتمعية فهم الذين يستطيعون كبح التملق الذي أدى إلى اختلال معايير التقييم كلها فباتت ظاهرة التملق تستشري في مجتمعاتنا، حتى أصبح التملق هو الإكسير الذي يجعل الفرد يصل إلى مبغاه! فصار المتملق هو الذي يتمتع بالأولوية وليس الكفؤ. ومن هنا بات بلادنا تعج بالفوضى واللامسوؤلية.

فهمنا للأدوار الاجتماعية عموماً ودور المسؤول خصوصاً هو ما أحاولُ توضيحه بإسهاب، إلا يفهم ذلك المزارع الفرنسي الذي صاح بوجه الرئيس "تحدث معي بأدب سيدي!" أكثر من أذكى الأذكياء في مجتمعنا؟ هو يفهم حقاً أن مسؤولية الرئيس هي تنظيم البلاد ولا يحق له أن يخاطبه بطريقة لا ترضيه، وكذلك رد الرئيس الذي -أيضا يفهم جيداً معنى أن يكون رئيساً- فقال له أنا أتحدث إليك بأدب. نعاني في بلادنا من أزمةِ مفاهيمٍ هي سببٌ للكثير من مصائبنا، فلو فهم المسؤول وظيفته التنظيمية سيعمل كموظفٍ وليس مالك، يقدم كل ما لديه من أجل وظيفته، لا يضيعه الشعور بالعظمة الوهمية التي تعتليه.

انظر إلى تيرزا ماي في الأمس وهي تجلس في مجلس العموم تحاجج عن حكومتها وتبرر أفعالها، انظر إلى التعابير التي تجتاح كلامها، تحاول إقناع الناس بما تفعل! إنها تظهر بمظهر المسؤول المُساءَل وليس بمظهر السلطوي صاحب الملك كما في بلادنا، حتى ترامب ذلك اليميني المتهور، يخرج لشعبه يحدثهم عما يفعل موضحاً لهم أهدافه، وتطلعاته، هل يستوي ترامب بذلك مع أفضل زعيم في بلادنا!

 

هم لا يروننا أصلاً!، ففي مثل هذه المجتمعات الراقية يفهمون جميعهم معنى المسؤولية، والصلاحيات التي تتبعها، فيتعاملون مع المسؤول كمسؤول تنظيمي دون تملق ومراءاة، فلا تسمع أن أقاربه حضروا لتهنئته بمنصبه، ولذلك لن يتعاظم عنده شعور التفوق، وسيفهم بالتالي دوره، ويؤديه على أكمل وجه. المجتمع الذي يُحيط بالمسؤول هو الذي يحدد طريقة حياته وطبيعة شخصيته، كما يقول نيكولا ميكافيللي: "أول طرق تقدير ذكاء الحاكم أن تنظر لمن يحيطون به".



حول هذه القصة

أعلنت موزيلا أن الإصدار 63 الجديد من متصفحها الشهير فايرفوكس يتيح للمستخدم إيقاف محتويات الفيديو والصوت التي يتم تشغيلها تلقائيا بمواقع الويب، على غرار برامج التصفح الأخرى مثل كروم وسفاري.

29/7/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة