المقاومة الفلسطينية واستراتيجيتها الراهنة

القضية الفلسطينية هي قضية الأمة الكبرى، والمقاومة فيها هي شرف هذه الأمة ورأس حربتها، وفخرها وعزها في زمان الذل والعار. مرت المقاومة الفلسطينية بمراحل عدة في أزمنة مختلفة، وهي مقاومة بدأت منذ أن بدأ العدو الصهيوني في الهجرة وفوداً إلى أرض فلسطين قبل عام 1948م. وكان من أوائل من نادى بالجهاد والمقاومة المسلحة ضد العصابات الصهيونية الشهيد عز الدين القسام (1883م_ 1935م)، وقد أُطلق اسم هذا البطل الشهيد على كتائب المقاومة المسلحة لحركة المقاومة الإسلامية حماس أكبر الحركات الفلسطينية. وتطورت المقاومة بمرور الزمان إلى أن أعلنت حركة المقاومة الإسلامية حماس عن انطلاقتها في عام 1987م على يد مؤسسها الشيخ أحمد ياسين (1936م_ 2004م)، ومعه نخبة من أبناء جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينية، وكان من أبرزهم الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي (1947م_2004م).

وكان تاريخ انطلاق حركة المقاومة الإسلامية حماس هو تاريخ انطلاق حركة المقاومة المسلحة في أوضح صورها و أقواها تنظيماً وعدة. وتطورت المقاومة بعد ذلك، وتعددت كتائبها وحركاتها، واستطاعت مجتمعة دحر الاحتلال الصهيوني لغزة يوم أن أعلن أرئيل شارون عن قراره بالانسحاب من غزة (2005م)، ليعلن هزيمته أمام ضربات المقاومة التي ما كانت لتهدأ يوما واحدا، وتتعدد ما بين عمليات نوعية وعمليات استشهادية وكمائن. إلا أنه على الجانب المقابل استطاعت القوات الصهيونية بمعاونة أجهزة السلطة الفلسطينية أن تنهي إلى حد كبير حركة المقاومة المسلحة في الضفة الغربية. واستطاع الطرفان عن طريق التعاون الأمني والاستخباراتي الكامل بينهما أن يضربا كل التنظيمات المسلحة ضربات قاصمة، فاعتُقل الآلاف من أفراد حركات المقاومة واغتيل العشرات، وكان على رأسهم (جمال منصور وجمال سليم ويوسف السوركجي وصلاح الدين دروزة ونصر جرار وعز الدين الشيخ خليل وغيرهم).

بعد مرور عقود من الزمن من عمر القضية وعمر المقاومة، أعلنت في وثيقتها الأخيرة قبولها بحل الدولتين، وعلقت على ذلك بأنها تقبل بهذا الحل كحل مبدئي لا نهائي.

وأصبحنا أمام واقع جديد في القضية الفلسطينية وفي حركة مقاومتها، فلقد أحكمت السلطة الصهيونية مع السلطة الفلسطينية على الضفة، وأنهت إلى حد يكاد يكون نهائياً حركة المقاومة فيها. وانسحبت القوات الصهيونية من قطاع غزة، وتُركت حماس من أجل أن تحكم قبضتها على القطاع، لتقع بعد ذلك في الإشكالية الكبرى، إشكالية الجمع بين الحكم والمقاومة، بين أن تُجبر على تقديم التنازلات من أجل طعام وكساء ودواء أبناء غزة، وبين ألا تترك بندقيتها ولا تساوم عليها. استطاعت حماس إلى حد كبير أن تحدث الموازنة بين الحكم والمقاومة، لكنها أُجبرت على تغيير استراتيجيتها في الجهاد والمقاومة والتعامل مع العدو الصهيوني.

وهذه الاستراتيجية التي اضطُرت إليها حماس ومعها بقية حركات المقاومة تبعاً لها، يمكن أن نلخصها في النقاط التالية.

 

1- إعلان الرضا بحل الدولتين كحل مبدئي.
أعلنت حركة المقاومة الإسلامية حماس في وثيقتها الجديدة قبولها بحل الدولتين على أساس حدود 1967م، وكانت حماس ترفض رفضاً قاطعاً هذا الحل، وتراه مؤامرة على القضية الفلسطينية وتصفية لها. لقد قامت حماس من البداية على مبدأ تحرير الأرض الفلسطينية كلها من النهر إلى البحر (نهر الأردن والبحر المتوسط)، لكنها مؤخرا وتحت وقع الأحداث العالمية والإقليمية، وبعد مرور عقود من الزمن من عمر القضية وعمر المقاومة، أعلنت في وثيقتها الأخيرة قبولها بحل الدولتين، وعلقت على ذلك بأنها تقبل بهذا الحل كحل مبدئي لا نهائي.

 

2- عدم مبادأة العدو الصهيوني بالحرب أو بالعمليات.
 المقاومة منذ انطلاقتها وهي تعني مبادأة العدو بالعمليات هنا وهناك، حيث أن الاحتلال الصهيوني قائم على احتلال الأرض الفلسطينية والسيطرة التامة عليها، وبالتالي كانت استراتيجية المقاومة ضرب قوات الاحتلال في الشوارع والأزقة وفي التجمعات العسكرية وفي التجمعات الميدانية لمواطني العدو في أماكنهم ومستوطناتهم. ولما انسحبت قوات الاحتلال من غزة واستطاعت تصفية المقاومة في الضفة، تحولت المقاومة من المبادأة بالعمليات إلى انتظار تلقي الضربات، ثم الرد عليها. والذي فرض هذا التحول إدارة حماس لشؤون غزة الحياتية، والحمل الثقيل على أكتافها من وراء ذلك، مما يجعلها تراجع أمرها أكثر من مرة إن فكرت في عملية نوعية، خوفا من أن يصب العدو جام غضبه على غزة وأهلها الذين باتوا يرون حماس هي المسؤولة عن حياتهم وأمنهم وسلامتهم.

 

3- الرد على العدوان بقدر محدود تجنباً لاستفزاز العدو.
 وقد تعدى الأمر عدم المبادأة بالحرب والعمليات، إلى حد الرد على حروب العدو وعملياته بقدر وحذر. فهناك بعض الرؤى التي ترى أن حماس تستطيع أن ترد على عدوان الكيان الصهيوني وحروبه بأكبر مما تفعل، غير أنها تخشى كذلك أن يكون الرد حينها مستفزاً للعدو، بحيث يدفعه إلى مزيد من القوة الغاشمة منه في حروبه واعتداءاته، وهو يستطيع ذلك فعلاً بما يملكه من ترسانة عسكرية هي الأقوى إقليميا، بل وهي في قائمة الأقوى عالمياً. إذن المعادلة بين المقاومة والعدو الصهيوني هي (المقاومة بقدر حتى يضرب العدو بقدر، والمغامرة غير معروفة العواقب دائما).

 

4- القبول بوقف المواجهات حال حدوثها وتثمين الوساطات لذلك.
 عندما تشتد المواجهات بين المقاومة والعدو الصهيوني، فإن المقاومة تقبل بالوساطات من أجل التهدئة، بل ولنا أن نقول إنها تسعى لذلك. وإن كان الحديث دائماً هو حديث عن أن العدو الصهيوني هو الذي يسعى ويبادر بطلب التهدئة من الأطراف الإقليمية الوسيطة، فإن هذا لا ينفي كذلك سعي المقاومة لهذه التهدئة، وعدم تفضيلها لتطور المواجهات واتساعها، ففي رقبة المقاومة الآن أكثر من مليوني إنسان في قطاع غزة. وكانت المقاومة قبل تولي المسؤولية الإدارية في قطاع غزة حرة في حركتها الجهادية والدفاعية، أما بعد توليها مسؤولية القطاع فقد تغير الوضع.

 

الصواريخ التي تطلقها حماس على الأرض المحتلة التي تقع تحت سلطة الاحتلال المباشرة ليست هي كل ما تملكه المقاومة، بل إن هناك صواريخ أبعد مدى وأكبر في قوتها التدميرية
5- تخزين العتاد الأكبر لحرب حاسمة.
 هناك رؤى كثيرة تقول بأن حركة المقاومة الإسلامية حماس ومن ورائها بقية حركات المقاومة الفلسطينية تجعل من أهم استراتيجياتهم تخزين السلاح والمعدات الكبرى لحرب كبرى بينها وبين العدو الصهيوني، وهي حرب لن تكون بعيدة جداً. وذلك يعني أن المقاومة لا تُظهر كل إمكانياتها التسليحية، بل تُظهر منها على قدر ما تريد أن ترد به اعتداء العدو، أو ما تعطي به إشارات إليه بمدى قدرتها الحقيقية على الرد. وعلى سبيل المثال؛ فإن الصواريخ التي تطلقها حماس على الأرض المحتلة التي تقع تحت سلطة الاحتلال المباشرة ليست هي كل ما تملكه المقاومة، بل إن هناك صواريخ أبعد مدى وأكبر في قوتها التدميرية، غير أنها صواريخ تلوح بها المقاومة فقط، وتدخرها ليوم غير بعيد.

 

6- إعلان فك الارتباط بأي تنظيمات خارجية.
 أعلنت حركة المقاومة الإسلامية حماس عن فك ارتباطها التنظيمي بجماعة الإخوان المسلمين العالمية، وكان هذا الإعلان في وثيقتها الجديدة التي أعلنتها منذ عام تقريباً. وقد حاولت حماس بذلك أن تخفف من شدة الضغط الإقليمي والعالمي عليها، وذلك في الوقت الذي اشتدت فيه الحرب على جماعة الإخوان المسلمين من المحيط الإقليمي والمحيط العالمي. اضطرت حماس لذلك، سواء كان على الحقيقة أو على التقيّة والادعاء، من أجل تخفيف الضغط عليها وعلى قطاع غزة الذي باتت تحكمه منذ سنوات عدة، والذي يمثل حصاره أكبر حصار لمجموعة من البشر على قطعة جغرافية، وهو في الحقيقة سجن من حدود ومعابر بدلا من الأسوار والأبواب.

 

7- الحياد في أي صراع إقليمي، ومحاولة إقامة علاقات جيدة مع الجميع.
 تحاول حركات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس إقامة علاقات طبيعية بل وقوية مع كافة الأنظمة الإقليمية والعالمية، وذلك من أجل دعم الجميع للقضية الفلسطينية معنوياً ومادياً وتسليحاً لمقاومتها. ومن أجل ذلك تنأى بنفسها عن أي صراع إقليمي وتقف على الحياد فيه. ومثال ذلك الصراع القائم الآن بين الدول الخليجية وإيران، وكذلك بين الدول الخليجية وبعضها وفي الصراع الحادث في اليمن، وكذلك في الصراع الدائر في سوريا بين أنظمة إقليمية وعالمية. وقد حاول الكثيرون جذب حركات المقاومة إلى صفوفهم، وخصوصاً حركة حماس لمكانتها وإمكانياتها، غير أن حماس على الخصوص رفضت ذلك. تحصل حماس على دعم إيراني كبير من غير أن تنحاز لإيران في قضايا الإقليم وصراعاته، وحصلت من قبل على دعم سوري كبير ولم تنحز للنظام السوري في الحرب السورية الدائرة. غير أن احتياج حماس وحركات المقاومة للدعم من هذه الأنظمة وغيرها، هو الذي يفرض عليها الحياد في قضايا لا يصح فيها الحياد، ولو حتى بالرأي، كما في المسألة السورية، ودور النظام السوري والنظام الإيراني في المجازر للسنة هناك.


حول هذه القصة

تأثير العمليات الاستشهادية على معدلات الهجرة وعلى الاقتصاد والسياحة والجيش وارتفاع معدلات البطالة في إسرائيل، وانتشار الخوف والأمراض النفسية بين الإسرائيليين, واهتزاز صورة الحلم الصهيوني, ومستقبل الحركة الصهيونية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة