أصوات منسية.. أقبية التعذيب والموت في إثيوبيا

يقول أحُد السجناء السابقين: "سجن أوغادين أمر لا يمكن للعقل تصوره. فمنذ لحظة دخولك هناك حتى لحظة إطلاق سراحك لا تستطيع معرفة ما إذا كنت ميت أو على قيد الحياة. هناك، يتم تعذيبك بشكل مستمر، ليلًا نهارًا، يتم تجويعك بشكل وحشي، ولا يمكنك النوم نظرًا لكثرة عدد السجناء".

 

في قلب مدينة جيجيجا الشرقية، وعلى بعد خمس دقائق فقط من الجامعة، يقع أحد أشهر مراكز الاحتجاز في إثيوبيا. سجن أوغادين، أو ما يعرف رسميًا بسجن جيجيجا المركزي، وهو مأوى لآلاف السجناء الذين لم يتم توجيه أي اتهام حقيقي أو إدانة العديد منهم، وعلى الرغم من ذلك يتعرضون للمعاملة الوحشية والإهمال بشكل يومي.

  

وصف العديد من السجناء السابقين حقائق مروعة من سوء المعاملة والتعذيب المستمر في داخل السجن، مع عدم إمكانية الحصول على الرعاية الطبية المناسبة، وانتهاك حقوقهم الاجتماعيه والقضائية بمنع زيارات الأهل ومنع المعتقلين من توكيل محامين وسجنهم لسنوات من دون عرضهم على القضاء. وفي تلك الزنزانات المكتظة، يقوم المسؤولون بضرب ومضايقة السجناء ليلًا أثناء الاستجواب، ونقل ملاحظاتهم إلى قادة السجون الذين يختارون بعد ذلك البعض من السجناء للمزيد من العقاب. وأما الغرض الأساسي من هذا التعذيب والإذلال فهو إرغام السجناء على الاعتراف بعضويتهم في جبهة تحرير أوغادين الوطنية.

  

في سجن أوجادين، ينتشر المرض، ويتم تجاهل الاحتياجات الأساسية للمياه والصرف الصحي بشكل منهجي، في حين أن السجناء يبلغون عن حالات الوفاة في المعتقل بعد تفشي الأمراض المعدية

و وثقت العديد من المنظمات الدولية تقارير تستند إلى العديد من المقابلات لسجناء تعرضو للتعذيب وغيره من الانتهاكات الخطيرة، بما في ذلك الاغتصاب والاحتجاز التعسفي على المدى الطويل وظروف الاحتجاز المروعه في ذلك السجن بين عام 2011 وفي أوائل عام 2018. وقال العديد من السجناء السابقين الذين أجريت معهم المقابلات أنهم رأوا أشخاصًا يموتون في زنزاناتهم بعد أن تعرضوا للتعذيب على أيدي المسؤولين، وأكدت المنظمات الدولية في تقاريرها بأن السجن لا يخضع لأي تدقيق أو أي رقابة مُجدية.

   

إن دورة التعذيب والمعاملة المهينة والازدحام وعدم كفاية الطعام والحرمان من النوم ونقص الرعاية الصحية في سجن أوجادين تتسق مع العقاب الجماعي الذي تفرضه الحكومة منذ فترة طويلة على الأشخاص الذين يُنظر إليهم على أنهم يدعمون الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين. وقد سبق أن وثقت هيومن رايتس ووتش كيفية ارتكاب الجيش الإثيوبي جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب خلال عمليات مكافحة التمرد ضد جبهة التحرير الوطنية في عامي 2007 و2008، بما في ذلك عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب والاغتصاب. وبدلاً من إجراء تحقيقات ذات مغزى في الجرائم في ذلك الوقت، أنشأت الحكومة الإثيوبية شرطة لييو التي ارتكبت مجموعة من الانتهاكات الخطيرة في الإقليم الصومالي منذ عام 2008.

 

في سجن أوجادين، ينتشر المرض، ويتم تجاهل الاحتياجات الأساسية للمياه والصرف الصحي بشكل منهجي، في حين أن السجناء يبلغون عن حالات الوفاة في المعتقل بعد تفشي الأمراض المعدية. وقال بعض السجناء السابقين لـ هيومن رايتس ووتش إن الجثث ظلت أحياناً في زنزانات السجناء لعدة أيام، وقد وضعت السجينات ولادتهن في زنزاناتهن دون الوصول إلى قابلات ماهرات وذلك في ظروف غير صحية على الإطلاق. أما عن محنة الأطفال الذين يزعم أن بعضهم ولدوا في سجن أوغادين من الاغتصاب على أيدي حراس السجن، هو أمر مأساوي بشكل خاص. وقال سجناء سابقون إن الأمهات المرضعات لم يتلقين أي طعام إضافي، وأن الأطفال لم يتلقوا أي تعليم. ومنذ عام 2013، لم يُسمح للسجناء بالزيارات، أو الحصول على طعام أو سلع أخرى من الأقارب.

 

أما اللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان "EHRC" وهي هيئة حكومية اتحادية مكلفة بإجراء التحقيقات في مزاعم انتهاك حقوق الإنسان، فقد قامت بتفتيش سجن أوجادين في العديد من المناسبات منذ عام 2011، ولكن لا توجد أي تقارير متاحة للجمهور حول تلك الزيارات. كما أنه ليس من الواضح ما هي الإجراءات، إن وجدت، التي تم اتخاذها لإخضاع أي شخص للمساءلة عن الانتهاكات التي كشفت عنها أثناء عمليات التفتيش هذه. وقال العديد من السجناء السابقين لـ هيومن رايتس ووتش أنه قد تم احتجاز معظم المصابين بشكل واضح، مع أطفال ونساء حوامل، في غرف سرية أو نُقلوا من السجن قبيل زيارات اللجنة. وأما أولئك الذين تحدثوا علانية إلى مسؤولي اللجنة فقد تعرضوا للضرب المبرح في الأيام التي تلت زيارات اللجنة.

  

وفي هذا الواقع المفجع، أثبتت التقارير أن هنالك قلة قليلة من السجناء السابقين الذين عُرضوا للمحاكمة أو اتُهموا بأي جريمة. وحتى عند ظهور السجناء في المحكمة، لم يكن لدى معظمهم إمكانية الوصول إلى محامي الدفاع، ولم يتمكنوا من تقديم دفاع كاف، وكانوا يواجهون محاكم تفتقر إلى الاستقلال وهم مترددون في تحدي انتهاكات الحكومة.

    

  

إن التعذيب والإفلات من العقاب هي من المشاكل المتأصلة في جميع أنحاء إثيوبيا. حيث تتلقى هيومن رايتس ووتش بانتظام تقارير عن الاستجوابات المسيئة في جميع أنحاء البلاد باستخدام تقنيات مثل الضرب المبرح والماء وتعذيب الأعضاء التناسلية، على غرار ما يصفه السجناء السابقون لدى جيل أوجادين.

 

ومنذ تولي رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد، الدكتور أبي أحمد، منصبه في نيسان/أبريل 2018. تعهد بتنفيذ إصلاحات تدريجية، وأغلقت حكومته مركز احتجاز ماكيلاوي في أديس أبابا، وهو موقع سيء السمعة للتعذيب وسوء معاملة السجناء. كما أقر بأن التعذيب موجود في إثيوبيا في خطاب ألقاه أمام البرلمان في يونيو، وهو اعتراف نادر لرئيس وزراء إثيوبي. ومع ذلك، لم يوضح رئيس الوزراء الجديد حتى الآن كيف ستتعامل حكومته مع مشكلة الإفلات من العقاب.

 

وبينما سيرحب العديد من السجناء السابقين بإغلاق سجن أوجادين، فإن مثل هذه الخطوة لن تعالج الطبيعة التعسفية لقوات الأمن في المنطقة، وإفلات من يتورط في انتهاكات خطيرة، أو ضعف سيادة القانون في الإقليم الصومالي.

 

لذلك، يجب على إثيوبيا الامتثال لأحكام دستورها والوفاء بالتزاماتها الأساسية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان ولا سيما الحظر المطلق للتعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة، من خلال التصدي بشكل منهجي للتعذيب والاحتجاز الغير القانوني. كما ينبغي على رئيس وزراء إثيوبيا الجديد وكبار المسؤولين، بما في ذلك في الشرطة الاتحادية والجيش أن يدينوا بإلحاح وبشكل علني إساءة معاملة السجناء في سجن أوجادين وغيره من السجون في إثيوبيا، لإرسال رسالة عامة لا لبس فيها بأن إساءة معاملة السجناء لن يتم التسامح معها؛ ودعم هذه الإعلانات بإجراءات تأديبية وملاحقات قضائية للمسؤولين الذين ينخرطون في مثل هذه الممارسات.

 

وعلاوة على ذلك، ينبغي أن تسمح السلطات بالوصول إلى سجن أوجادين وجميع مراكز الاحتجاز الأخرى في جميع أنحاء البلاد إلى مراقبين إثيوبيين ودوليين مستقلين، بما في ذلك منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية، وأعضاء المجتمع الدبلوماسي، وآليات حقوق الإنسان التابعة للاتحاد الأفريقي.



حول هذه القصة

أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي صباح اليوم عن الفتاة الفلسطينية عهد التميمي ووالدتها ناريمان بعد انقضاء محكوميتهما بالسجن مدة ثمانية أشهر.

29/7/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة