وَالِدَيك.. فَفِيهِمَا فَجَاهِد

blogs - بر الوالدين

ذاتَ مساءٍ مُوحشٍ بِأَحَدِ لَيالي الشتاء، حيث المَطرُ غزير ٌ والعواصف تُرْعِدُ بالخارج، جلستُ قُربَ المِدفأة عَلّنِي أُعيدُ الحياةَ لدمي، الذي كادَ أن يتجمد مِنْ شِدَّةِ البرودة. وبينما كُنْتُ أشاهدُ التلفاز! اسْتَحدَثَني مَوقِفٌ لَم أَرَ مِثْلَهُ بحياتي! شابٌ بِعُمْرِ الزُهور يَشْتِمُ رجُلاً كبيراً! وَيعلى صوتَهُ على صَوتِهِ! ما هذا الذي تَرَاه عَيناي! لا أصدق نفسي أهوَ حُلْمٌ أمْ واقعٌ! تُرَى إلى أيِّ زَمَنٍ وصلَ بِنَا هذا الحال لِنرِى الأخلاقَ تدنو للانحطاط بهذا الشكل! وتَحْدثُ الفاجِعَةُ الكبرى أن أكتشف بأنَّ الرجُلَ كبير السّن هو والدُ هذا الشاب! لا حول ولا قوة إلّا بالله! أحسنَ اللهُ عَزاءَ هذا الرجل بابنه!

كيفَ لهذا الابن أن يفعل هذا؟! أهو استهتارٌ أمْ تَعَجْرُفٌ وتَغَطرُسٌ أمْ ماذا؟! أيُّ عصرٍ هذا الذي أوصل بذلك الشاب المُتَعَلِّم! ذو التربِيَةِ الحَسَنَةِ! ليفعلَ فعلتَهُ تلكَ بوالده! أيستَحِقُ والدَهُ ذلكَ مِنْهُ كَأَجْرٍ لَه على كلِّ شيء؟! على عُمُرِهِ الذي أفناه لِيَحظى بابنٍ مِنْ صُلْبِه؟! أم على حِرْمانِ الوالِدِ نفسَه لكلِّ شيء ليُلَبي أدنى طلبات ابنه؟! أم على شبابِه الذي تناساه من أجل شباب ابنه أم على ماذا؟ سؤالٌ يطرَحُ نفسه؟ أي تطوّرٍ هذا الذي يجعل الولد عاقً لوالدِه؟ أيتَطَلَّبُ معايشة عصرُ التكنولوجيا نُكْرانَ فضلِ الوالدين علينا برمشةِ عين؟! أمْ أنّ الحضارةَ التي ندَّعيها تكونُ بذلك! إنْ كانَ كذلك! فَسُحْقَاً لحضارةِ الغرب التي جعلتنا ننسى مَنْ نكون! وسُحْقَاً للشِهادات والعلم التي أعطَتْ هذا الشابّ سوء الفهم! لِيَكُنْ أنَّكَ لا تصونُ المعروف! أنَسيتَ تعاليمُ دينك بالحَثِّ على طاعة والديك؟

سَأُعِدُ التَفكيرَ بِنَفسِي أولا، لَرُبَمَّا أذْنَبْتُ بِحَقِهِمَا وَلَمْ أُصِلح ذاتي إلى الآن، وحَتْمَاً سأتَغَيَّر، فَلَمْ نُخْلَق إلّا للعبادة، وطاعَةُ الوالدين مِنْ أحْسَنِ العبادات، وَبِبرِّهِمَا سأحصُلُ على بابٍ مِنْ أبوابِ الجنّة

أنسينا قوله تعالى بسورة الإسراء: "وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23)" صدَقَ الله العظيم. وقد أكد الإسلامُ على طاعة الوالدينِ بمواضِعَ كثيرة في القرآنِ والسنّة الكريمة. حيث أقبلَ رجُلٌ على رسولنا الكريم عليه الصلاةُ والسلام، فَقَالَ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ، قَالَ (فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟) قَالَ نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا، قَالَ (فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ؟) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ (فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا) "

نلاحظ أنَّهُ قَدْ حَرِصَ الإسلامُ على البّر بالوالِدَين، وقَرن طاعتُهُ بِطاعَتِهِمَا، بَلْ وَجَعَلَ إحسَانُ المَرءِ لوالديه من أعلى درجات الإحسان التي بها الأجرُ والثواب والتوفيق في الدنيا والآخرة، حتى وإنْ لَمْ يكونا مِنَ المسلمين. فَنُكران الجميل لِأَحَدٍ يُعْتَبَر من أشد قَبائِحِ الأخلاق! فما بَالُكَ بِنُكرانِ جميلِ والِدَينَا علينا! الذين هُمْ سَبَبُ وجودنا على هَذِه الأرض مِنْ بَعدِ اللهِ عز وجل؛ وَكُلَّمَا عَظُمَ الجَميل كان جحودهما أكثَرَ جُرُمَاً وأفظَعُ إثْمَاً، وبِهَذا المِقْيَاس نَقِفُ على خطَرِ جريمَةِ عقوق الوالدين! لأنَّ العاق ليسَ لَدَيهِ أيَّةَ انسانيةً بقلبهِ ولا حتى ضمير، لا خيرَ لدينهِ وإيمانهِ. بَلْ مَسْكَنَهُ النّار! كما وصَفَهُ الرّسول من أكبَرِ الكبائِر، حينَ قال عليه السلام: (ألَا أنَبِئكم بأْكَبَرِ الكبائر؟ قلنا بلى يا رسولِ الله، قال: الإشراكُ بالله، وعقوقِ الوالدين….).

فالعاقُ خاسراً لدينِهِ ودُنْيَاه! إنْ كنتَ لا تفكرُ ببرهما كحق لهما صوناً لِمَا قدّمَاه؟ أو حتى لا تُبَالي بأخرتك! ألَا تُفَكِرُّ بِدُنياكَ يا هذا؟! فالعاقُ لا تتَيَسّر حياته سيعيشُ ويَحْيا بِضَنَكٍ طوالَ عُمُرِه، بَلْ إنَّ الله لا ينسى عقابَهُ بالدنيا خِلافَاً عن عِقابِ آخرته، فَكَما تُدِينُ تُدان! كما كُنتَ عاقً لوالديك وأسأتَ مُعَامَلَتُهُمْ، سيأتي ابنك على نَفسِ شاكِلَتَك! وسَتَشْرَبُ مِنْ نفسِ الكأسِ التي أشربتها لِوَالِدَيك. أَعِد التفكيرَ جيّداً إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أجلِ مَنْ جَعَلكَ أنت! بكَيَانِكَ الذي هُمْ حَجُرُ أساسِه وَبِهِ عَلَوْت وتَرفعت، بَلْ هُمِ أساس الحجارة بأكمَلِه وذاتِهِ!  لِتَصِلَ إلى ما وصلتَ إليه، كُنْ بارّاً لهما من أجلِ حياتِكَ وآخِرَتِكْ. خابَ وَخَسِر مَنْ لَمْ يَسْتَدْرِكْ نَفْسَه قَبْلَ فَواتِ الأوان. "رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَاب" سَأُعِدُ التَفكيرَ بِنَفسِي أولا، لَرُبَمَّا أذْنَبْتُ بِحَقِهِمَا وَلَمْ أُصِلح ذاتي إلى الآن، وحَتْمَاً سأتَغَيَّر، فَلَمْ نُخْلَق إلّا للعبادة، وطاعَةُ الوالدين مِنْ أحْسَنِ العبادات، وَبِبرِّهِمَا سأحصُلُ على بابٍ مِنْ أبوابِ الجنّة، فاللهُمَّ أطِلْ بِعُمْرِ والِدَايَّ وأسْعِدْهُمَا دُنْيا وآخِرَة، لَرُبَمّا لَمْ أَفُزْ بِوَرقَةِ اليانَصيبَ يَوْمَاً، ولَكن سأسعى لِلفَوزِ بِرِضاهما دَوْمَاً، وَنِعْمَ المَكْسَب بَلْ وَنِعْمَ المَصير.