طريقة معرفة البلاء قبل وقوعه!

blogs أب

تعرفت من ثقافة بيتنا منذ الطفولة أهمية الصمت. فطفولتي كانت على عكس الشائع وقتها، يقال إن للحديث مذاق ولكن لم نعرف تذوقه في بيتنا كثيراً، كنت أشاهد الأطفال الأصغر مني عمراً اثناء محاولاتهم للتكلم، منهم من كان يتحدث بطلاقة ربما ببعض اللدغات الخفيفة التي يبتسم لها كل من يسمعها، ومنهم من كان يتلعثم في الحديث فأشاهد خوف الأبوين منها خوفا من أن تكون بسبب علة ما فيه، أما أنا فكان وضعي غريب، كنت أتحدث بطلاقة لكن بصوت مكتوم، مكتوم وكأن أحد يضع يده على فمي، لا يمنع خروج الكلمات لكن يجعلها غير مسموعة بصوت يثير الضحك. ولأن كان صعب علي تفسير ذلك الصوت الغريب الذي يصدر مني، أثرت الصمت، فأثرني هو أيضاً، وأيقنت حينها أهميته، لتجنب السخرية من جهة ومن جهة أخري لما خلقة حولي من قوة وغموض، فكنت أستمتع بإشادة أصدقاء أسرتنا لتربيتنا، أو تعجبهم من هدوئنا الغير مألوف لدي الجميع.

 

أتذكر حينما كان يقول لي أبي، أن في تلك الحياة الآهان، واحد في الأعلى والثاني يقف أمامي ويحدثني، فتعلمت أنا، مثل كل الموجودين في البيت لغة الصمت، وتفسير تقطيب الجبين أو قراءة قسمات الوجه عند الآخرين، وفهمت لما تتضخم عروق الدم في الرقبة وحركات الذقن وضم الأصابع على راحة اليد. فكانت عيوننا الصامتة، عيوننا كلنا، قد تعلمت قراءة ما يحمله الآخرين من مشاعر داخل البيت أو خارجة، لا أنكر قد الاستمتاع الذي نشعر به، فكنا نستمع بأعيننا أكثر من سماعنا بآذاننا، فنشئ بيني وبين الخمول علاقة مريحة، وأدركت أن المتكلم لا يعرف قيمة الكلمات، لأنها بطبيعة الحال لا يمكن إيقافها أو حتى التحكم في عددها، فتخرج الكلمة ثم الأخرى كل منها واحدة منفردة، ثم جملة وأخرى، أما في الصمت فيخرج كل شيء دفعة واحدة ويعلق في ذهن الآخر دفعة واحدة أيضاً.

 

لا أستطيع أن أحدد إن كان خيراً أم ابتلاء، فحين أثرت الصمت على الحديث واكتشاف بواطن النفوس على التعامل معها، وجد نفسي قد سلكت طريق مخيف

أدركت أهمية ما تعلمته في بيتنا الصغير، منذ أن خرجت من يوم طويل من التحقيق، فبعد أن وصلت إلى أرض الشارع عائداً إلى البيت، برأس مضطرب وعينين جامدتين مثل عيني دمية، وساقين غائبتين عن الجسد كأنهما مستعارتان، سرت في نفس الاتجاه الذي أحضروني منة، فأردت أن أعود بشكل معافي حتى لا أرى نظرة شفقة أو حسرة على ما حل بالشباب، فما وجدت في النهاية إلا أن الحياة لم تتوقف ولم يهتم أحد لما حدث، وعادت النظرات لطبيعتها.

 

ظننت للحظة أن تقيدي واعتقالي بين الناس وبهذا الشكل المثير للحنق، قد يكون أصبح جزء من ثرثرة أهل السوق لفترة ما، كفضفضة هموم شخص شاهد جريمة فكتفي بإدارة وجهة بعيداً. حينها سمعت حديث الناس بعيني، من خلال نظرات شاردة من وجوه تسترق النظرات، فرأيت من يقول قدر ولطف، أو حسبي الله ونعم الوكيل في الظالمين، أو من يعتذر منك ومن قلة حيلته بشكل عاطفي يمكن ألا تتقبله بعض الأنفس، في النهاية أدركت أن ما لا تقوله ألسنه الناس تفضحه أعينهم.

 

وبعد أن صارت حياتنا تحت رحمة البشر، مرهونة بقدرتهم على الاتزان بين الخير والشر، صار يومنا يمر أشبه بلاعب (اكروباتي) يحمل خشبة تميل منه في اتجه ثم يحاول أن يزن نفسه فتميل في الاتجاه الآخر، وهكذا ظلت حياتنا، وهكذا بقيت نفوس البشر تحاول التخفي كلصوص مقابر في ليلة مظلمة سوداء، فعرفت حينها طعم آخر للصمت. لا أستطيع أن أحدد إن كان خيراً أم ابتلاء، فحين أثرت الصمت على الحديث واكتشاف بواطن النفوس على التعامل معها، وجد نفسي قد سلكت طريق مخيف، للحظات تري الحياة بشكلها القبيح وكأنه لم يعرف خيراً قط، ووحين آخر خير الدنيا وكأنما لم يري شراً قط، وكأنما هربت من حيرتي الفردية المحدودة المغلقة، إلى حيرة الإنسانية الشاملة.

 

أسير بين الناس أراقب تصرفاتهم حركاتهم، قد يثيرني طريقة تعبير شخصان يتشاجرا حول لعبة في مقهى، أو شخص يتحدث في هاتفة، أو حتى شخصان يجلسان في صمت، لا يقاطعني سوي صوتها وهي تقول "إنتا بتفكر في ايه؟ "…. "أنا فعلا نفسي أفهم انتا بتسرح في ايه؟"… أرد بابتسامة كاذبة، لا شيء.

 

كانت حبيبتي دائما ما تجلس في جواري متسائلة وأنا كذلك، ففي اللحظة التي تسألني عما يدور في ذهني، أردت أن أخبرها فيما تفكر، لم تفهم أني حينما سرحت في صمتي، كنت في أوج نشاطي، كنت أشاهد تقسيم وجهها كيف يتغير حينما تقرأ رسالة أهلها مرة أخرى، ثم تنظر لي فأري عيونها حائرة تتساءل، هل تستحق الحياة معه مغامرة أقرب إلى مخاطرة غير معلومة العواقب؟

 

فتبدأ في التفكير، وقتها تبدأ أمواج من النهايات تتوالى، كل منهم يقف خلفة صف طويل من الاحتمالات المتوقعة، ثم تبدأ فترة من حسابة البدائل متاحة حال وقوع ما ينتظر وقوعه، وحين يستقر بها التفكير إلى أرض واضحة المعالم، تخرج من صمتها فتسأل سؤلها فأرده كما أتى، فتقول، لا شيء، فقط أحبك.

 

هي بالطبع تعرف أني أهتم بالتفصيل الصغيرة، التقطها كما ينقض المفترس على فريسته، قد تكون مهمة شاقة إلا أن شغفي للحقيقة يدفعني للاستمرار، حقيقة ما يخفيه البشر، مفتاح كل شيء، العلم والحكم والثروة وحتى الحياة بذاتها، كلها بنيت على أسرار، فأدركت حينها أن الأسرار لم تغادر غرفتي الصغيرة، وأن شغفي لم يذد على تعلمي لقسمات وجه أبي حينما يكن غاضباً.