شعار قسم مدونات

سنحمي أحلامنا دون أن نعلن الحرب

blogs - سنحمي أحلامنا

حتى لا تكون حياته عارية الغاية والعبرة، تَعَلم أن يحارب رؤوس الغرف التي تصفها، لا يتعرف سوى على قلبه داخلها، ولا ينظر إلى عنوان الكتاب الذي يقتنيه ولا يغرق في سبل يظنها الظمآن ماء، رغم أنه أشد العطشى للوصول. لا يفقد نفسه على أول الموج ولو كان آمنا فالرحل كلها في بدايتها محفوفة بالفضول الذي يدفع الدم في عروقك ليجبرك على الخوض، لم تكن الحياة آمنة ولم يكن ناجياً من طعناتها، كان له جلد سميك فحسب، لا يحصي عدد هزائمه ولا يسجلها كلاعب شطرنج خاسر يتوعد بالانتقام، كان يحملها جدراناً ثقيلة على صدره، ينساها عند أول وسادة تمتص دمعه. كم حلماً صاره وكم طريقاً مشى، كلها أعداد لن يتذكرها في موسم الحصاد، سيتذكر خوفه الأول وصوتها تناديه، تحايله أحياناً وتعاقبه أكثر. كلنا أطفال ما كنا لنثق في أقدامنا لولا أحلام الأمهات.

تقول بينا باوش: "لا يهم كيف يتحرك الناس، المهم هو ما يحركهم" في هذا العمر الأخضر، لا يمكنك أن تحيا دون أن تشعر بأنك تفعل شيئاً يذكر يرضي ذاتك البشرية، الطامعة نحو السمو رغم نواقصها. إن العشوائية أمر غير مرضٍ، ويقاسيك على أن تشعر بالعدم. كل من قالوا إن الحياة الخالية من العطاء ممكنة كانوا كاذبين تماماً، إنها لأنانية أن تحب نفسك لتجدها في خلوها من أي قيمة عظيمة ومنفردة. أستنكر أن تدور الأرض بينما أنا واقف في مكاني، وأخجل من نفسي عندما أجد الحافلات تذهب وتعود وأنا ما زلت على مقعدي بحاجبين معقودين وشفتين ملتصقتين، بقدمين عاجزتين ويد خاملة. أما قلبي فهو قلب فاضت منه الحياة ليصبح متحجراً لهذا الحد، حد الهزل عن أن يصنع فرقاً أو يؤرق مضجعاً لأحمق يعتقد أن الأوسمة في قائمته وحده، وأن مصباحك المضيء في منتصف الليل يسرق الكهرباء من مصباحه.

لسنا تماثيل الصلصال المنتصبة ولكننا لن نرضى أن نكون أعمدة شمع ملونة. أما الحياة فإنها في أدنى صوت، لطفل تائه يلتقط أثواب المارة بحثاً عن رائحة أمه

لم يكن الأمر بهذه العنوة أبداً، هذا نور لا يمنع نفسه عن كل الأيادي المتلمسة. أحب وضع المفردات الخاصة بي في كل أمر ولو كانت المعاني خيالاً يختلط بالواقع في غالب الأمر، لكنني لم أعرف المنافسة يوماً على أنها صراع كل طرقه مشروعة. أنا صانع أقسم على أن يتقن مهنته على أكمل وجه، الوجه الذي يراه كاملاً في نظره، لم تفلح كل صناعاتي، ما سكبت فيها قلبي لم تخيب، وهذا يكفيني. فليركز كل فؤاد على وجهاته التي يرضاها ولن يجد وقتاً يحفر فيه أرض صاحبه ليتلفها، ما لهم سيبقى لهم، وما لي فهو لي وحدي، لا يمكن أن تحمل في قلبك نبالة الماء وتتحرك نحو ما يعكرها!

كان ينسق أحلامه ويبدلها كما الأيام، منها ما أبكته ومنها ما جعلته فخوراً حد التعب، حد الصفعات التي تلقها وحد الجذوع التي سندت ظهره. لا يمكنه أن يخرج منتصراً بكل تلك الضمادات، غير أنه كان قادراً على أن يعرف النشوة في الألم، لا تقلقه الأحلام الفائتة، فالقلق في حد ذاته إقرار بالضعف. وقوفه طويلاً على ما لم يكن، لن يجعله كائناً حتى لو نبت الصبار على تلك الأرض اليابسة، لولا تلك القبور التي أعددناها للأحداث والأصدقاء والخيبات أيضاً، لم نجد الطريق الصحيح، وعند غاياته الحقيقية. لن يكترث لكل واحدة جرحته، لم تمت أحلامه ولكنها سوف تحيا في مكان ما من عمره.

هذه الأرض تملك مخالب جارحة، تبدو الراحة زاهية لأننا لا نمتلكها، قد نتعلم الصبر ونتقنه ولكننا لن ننكر الحسرات ولن نتعرى من شهقاتنا وتنهيدات الخلاص. لسنا تماثيل الصلصال المنتصبة ولكننا لن نرضى أن نكون أعمدة شمع ملونة. أما الحياة فإنها في أدنى صوت، لطفل تائه يلتقط أثواب المارة بحثاً عن رائحة أمه، في أدنى دمعة تفر خائنة منها عندما تبدو كل الحشود في نظره بعدما وصل إلى الحلم الذي كانت تنشده في أذنه طفلاً وتشد على قلبه ما رأته قد وهن. في كل القيم التي وُضعت سلفاً ولكننا لم نؤمن بها حتى وضعنا لها البراهين، في أدنى التجاء لقلوبنا، في نظرة محب لا يعرف من الحب سوى اختلال الشهيق والزفير، واختناق الصوت في الحنجرة ثم يصر على الإنكار. في كل اشتهاء لأحلامنا حتى لو كانت الأرض تتلو صلاة العزاء على سكانها. في كل براءة من العادات الجائرة، في أدنى احتجاج صادق سنعيش على قيد أحلامنا ولن نمارس دور الوصاية على أحد. تذكروا دائماً أنكم لا تعرفون من المارة غير أشكالهم، أما الظل فصاحبه مالكه ودليله، أنّى لي أن أقاضي غيري بتهمة تقاسم الهوى جهراً وأنا كاتمه وحدي؟!