شعار قسم مدونات

المقاومة بـ "الأعمال الأدبية والفن"!

مدونات - محمود درويش

لم تخلُ المعارك والغزوات التي خاضها العُرب والمسلمون على مرّ التاريخ من القصائد والأشعار والأعمال الأدبية التي سُخرت لـ "الرثاء" تارة والهجاء أخرى، إلى جانب الأغراض التي أوجد لها الشعر والأدب.. مع العلم أن الأمر لم يقتصر على العرب والمسلمين الذي لحقوا بمن سبقهم في هذا الجانب، فكان لقريش (مثلًا) فريق من الشعراء يهجوا الرسول ويقول فيه أشعارًا حرضت الناس عليه والدعوة التي جاء بها.

  
وقد روي في كتب التاريخ؛ لا سيما الإسلامي منها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد طلب من أصحابه تعلم الشعر و"محاربة" المُشركين به، فكان له ثلاثة شعراء، من الأنصار، يدافعون عنه وعن الإسلام ويذودون بألسنتهم لا بسيوفهم؛ حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة. وأثبتت النصوص التاريخية والأدبية التي وصلتنا عبر مختلف الوسائل، أن رسول الله محمد عليه السلام، قد حرّض شعراءه على تعلم لغة قريش الأدبية وشعرهم ومحاربتهم فيه.. وخير دليل على ذلك حسان بن ثابت الأنصاري؛ (صحابي من الأنصار، ينتمي إلى قبيلة الخزرج من أهل المدينة المنورة)، كان شاعرًا يفد على ملوك آل غسان في الشام قبل إسلامه، ثم أسلم بعمر الـ 60، وصار شاعر الرسول بعد الهجرة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا للأنصار: "ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟". فقال حسان بن ثابت: أنا لها، وأخذ بطرف لسانه، وقال عليه السلام: "والله ما يسرني به مقْول بين بصري وصنعاء".

  

منذ أن احتلت أرض فلسطين؛ سواء من قبل الاستعمار البريطاني أو احتلال العصابات الصهيونية، عرفت طرقًا شتى في المقاومة ومجابهة الاحتلال، وبرع شبابها وشيابها في ذلك

وبالنظر في التاريخ الحديث "والمتوسط" إن جاز التعبير، نرى الاستعمار وما آلت إليه البلاد وأحوال العباد من آثاره وما ترك من مظاهر أثرت بشكل كبير على الثقافة والفكر في العديد من الدول؛ لا سيما تلك التي وقعت تحت الاستعمار الفرنسي. وهنا يبرز دور "الأدب المقاوم"، والذي يُعزز من الصورة الوطنية للوطن ومقوماته ومقاومته، في مجابهة الاحتلال وما يملك من أدوات ووسائل لـ "غزو" فكر وثقافة الدولة المحتلة.. فالاحتلال يُسخر أدواته دومًا لـ "تشويه" صورة المقاومة أو الأشخاص المؤثرين في الساحة، بعد أن يكون قد فشل في التعامل عسكريًا معهم.

  
وبالعودة إلى الاستعمار فهو قد بدأ عسكريًا (احتلال بالقوة) ومن ثم قام بـ "تثبيت" قواعده وأسسه في الدول عبر سياسيات؛ أبرزها الاستعمار الثقافي والفكري، من خلال نشر ثقافته ولغته وفكره الذي سمح له بالتعايش أكثر مدة زمنية والتغلغل في الأوساط مختلفة؛ قبل استقلال البلاد التي وقعت تحت احتلاله. في زمننا اليوم، الكثير من الشعوب استخدمت الشعر والأدب في نُصرة المقاومة؛ لا سيما في فلسطين المحتلة، إلى جانب "تسخير الأدب" لنشر ثقافة المقاومة وكيفية الانتصار على الاحتلال، خاصة في السجون بمختلف مراحلها، فنشأ "الأدب المقاوم"، وبعد ترجمة الكتابات والأشعار، لا سيما تلك التي تخرج من السجون، بات "الفن في خدمة المقاومة"، بل مقاومًا في الجانب الفكري والثقافي وإن جاز الوصف فهو "مقاومة ثقافية سلمية".

  
فمنذ الإعلان عن احتلال فلسطين عام 1948، أبدع الفلسطينيون "جملة" من الأدوات والوسائل لمواجهة الاحتلال، بعضها مسلح (بدأوا بالحجر إلى السكين فقطة سلاح واحدة إلى التصنيع والاكتفاء الذاتي يرافقه الإبداع)، والآخر شعبي (المقاومة السلمية بما تمثله مسيرات العودة على حدود قطاع غزة وفي أنحاء متفرقة بالضفة الغربية)، وفكري وثقافي (الأدب بمختلف أشكاله) وإعلامي. ومنذ أن احتلت أرض فلسطين؛ سواء من قبل الاستعمار البريطاني أو احتلال العصابات الصهيونية، عرفت طرقًا شتى في المقاومة ومجابهة الاحتلال، وبرع شبابها وشيابها في ذلك؛ لا سيما على الصعيد العسكري بالرغم من الدعم الضئيل جدًا الذي تلقوه من إخوانهم العرب. ورأى آخرون أن يجابهوا المحتل بـ "فضح" صورته الحقيقية التي امتزجت بدماء الأطفال والنساء في دير ياسين، صفد، بيت داراس، قبيا والطنطورة (…) وغيرها الكثير؛ سواء تلك التي بدأت قبل أيار/ مايو 1948 أو ما بعد النكبة وعمليات التهجير القسري التي رافقتها.

  

 
وفي السياق عرفت فلسطين مفاوضات التسوية السياسية، والتي أعطت شرعية للاحتلال في أرض فلسطين، لا سيما بعد اعتراف منظمة التحرير بكيان الاحتلال كـ "دولة"، دون أن يُبادلها ذلك الكيان ذات الاعتراف، عبر اتفاقيات شتى أبرزها أوسلو المشؤومة هدفًا ومحتوىً وسياسة. وأدخل الفلسطينيون في صراعهم مع الاحتلال الأدب كـ "طريقة" في الحراب والقتال؛ ومؤخرًا عرفت فلسطين المقاومة السلمية التي يرى ممارسوها أنها تفضح الاحتلال وتجرده أمام العالم دون أن يستخدم فيها السلاح أو الوسائل القتالية التي يستخدمها الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني الأعزل ولا يرى فيها العالم الأصم إرهابًا أو عنفًا، ومن هذه المقاومة مسيرات مقاومة الجدار والاستيطان ومسيرات العودة الكبرى.

  
وشهدت الحركة الوطنية الفلسطينية على مدار سنين مسيرتها، بروز أسماء كثيرة في العمل المسلح، كما في العمل الشعبي والإبداعي والأدبي، الذي أوصل القضية الفلسطينية إلى العالم. ومن الأسماء على الصعيد الأدبي، الشاعر الراحل محمود درويش، الذي قال يومًا إن الشعر يقاوم الجرّافات إذ تحاول تطويع المكان لمتطلبات الأسطورة، مشيرًا إلى أن "أدب المقاومة قام بدور تاريخي، والقضية الوطنية لا تعفي الشعر من تحقيق الشعرية". وأضاف في مقابلة أجرتها معه صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية (تموز 2007)، أن "شعر المقاومة بهذا المعنى احتلّ مكانةً كبيرة في الوجدان العربي الخارج من هزيمة 67، وبالتالي احتلّ مكانةً معنوية أعلى من مكانته الأدبية".

  
ومع تطور الحياة والوسائل التكنولوجية، بات الفن أحد الأدوات التي يُوجه بها "صانعها"؛ الأفلام والمسلسلات والحلقات الوطنية، المقاومة ويُذكي فيها روح الاستمرار وحصد المزيد من الانتصارات وخوض المعارك، بالإضافة لـ "ترسيخ وتخليد" القيم الوطنية والشخصيات القيادية وفكرها؛ لا سيما تلك التي يُقدم الاحتلال على "اغتيالها" أو تغييبها عبر السجون أو الإبعاد. لم يعدم الفلسطينيون وسيلة لتحرير أرضهم ومقدساتهم المحتلة، وواجهوا عمليات التزوير والتهويد المتواصلة منذ نحو 70 عامًا، ولكن انحياز المجتمع الدولي للاحتلال "الصهيوني" وإصراره على تواجد "إسرائيل" في قلب الوطن العربي والشرق الأوسط، أدى لاستمرار الاحتلال.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.