لماذا يفشل التغيير في بلادنا العربية؟

blogs ثورة

لا تختلف مخرجات اختيارات الشعوب العربية عن بعضها وإن اختلفت في ذلك المسميات الحزبية أو المرجعيات الفكرية، فالمشكلة لا تكمن في العناوين العامة التي ترفعها بعض الأحزاب للتعبير عن برامجهم التي ستنُقذ البلاد من فساد الاستبداد، وإنما ترتبط بشكل أساس في المدخلات النفسية والاجتماعية، والبيئة الحاضنة التي تعكس نبض الإنسان وقراءته للواقع الذي يُحيط به، قال الله تعالى: "اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" الرعد:11 

   
ولك أن ترى نفسية بعض المصلحين تجاه الخصم السياسي عندما يتخذ مسلكاً مخالفاً لمبادئهم المفهومة، أو يتعثر في أزمة تُفضي إلى مشكلات مجتمعية، إنهم يتطايرون فرحاً لخراب البلاد، وبعضهم يُظهر شماتة واضحة لذلك، معتقدين أنَّ الواقع المتدهور، والحالة الأليمة، ستشوه من صورة الحزب الحاكم أو الخصم السياسي أمام الشعوب المقهورة، وستجعل منهم البديل الذي سيأخذ بيدهم نحو الريادة.

  
إنَّ النفس التي جُبلت على فلسفة "الهدم الكامل" دون أن تنظر إلى الجزء الإيجابي وتبني عليه نفسٌٌ تُعاني من أزمات خطيرة تجاه المجتمع ومؤسساته المختلفة، ولنا أن نتأمل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق" سنجد أنَّ النبي الكريم تبنى الأخلاق الحميدة التي كان المجتمع الجاهلي يتميز بها، وأوضح فكرته الإصلاحية التي تكمن في إبراز الصور الأخلاقية الأخرى التي غابت عنهم، وعليه؛ فإنَّ حقيقة التغيير تكمن في ركنين أساسيين:

 

الأحزاب التي تُعاني من أزمات نفسية واجتماعية لن تستطيع قراءة الأفكار بالشكل الذي تتفاعل فيه مع الواقع المعاش، بحيث تصبح قادرة على أن تُعالج قضايا الشعوب

الركن الأول: سلامة الصدر تجاه المجتمع وسلوكه، أيّاً كان هذا السلوك، وأيّا كانت الأخطاء التي يُجاهر في ممارستها. 
الركن الثاني: التفاعل مع المجتمع بما يسمح لنا تعزيز الإيجابيات، ومعالجة السلبيات بالصورة العملية التي تُحقق روح التغيير وليس حرفيته.

  

وهنا تظهر العقد النفسية أمام التغيير، إذ لا يُعقل أنَّ جهة تدعي الإصلاح دون أن تُقدم نموذجاً عملياً يُظهر القدرة الواقعية على فعل ذلك، فالتغيير لا يقتصر على قبة البرلمان، أو كرسي السلطان، أو مساعدة الفقراء والمساكين، وإنما يتسع ليشمل المؤسسات المدنية، والأفلام السينمائية، والجامعات التعليمية، والمراكز الثقافية، والمنابر الإعلامية، وغيرها من المؤسسات التي تسمح لأصحاب التغيير أن يغوصوا في فهم المجتمع وطريقة تفكيره، لإحداث التغيير التدريجي في النفس والحياة، قال الله تعالى: "إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ"هود:114.

 

فالتلاعن والتباغض والتحاسد والتصارع صورة طبيعة لعجز مركب في مستوى التفكير وطريقة العمل، فالإنسان الفارغ لا يظهر منه سوى اللسان الجارح، والسباب الفاضح، والصراع المجنون، الذي قد يكون ناتج عن مكونات بيئة فرضها الحاكم الظالم كما عبّر عنها ابن خلدون في قوله: "إنَّ الملك إذا كان قاهراً باطشاً بالعقوبات منقباً عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة فتخلقوا بها"؛ لذلك فإنَّ تأثر بعض المصلحين بأخلاق الحاكم غير السوي وارد بشكل غير مباشر، مما يُشكل معوقاً كبيراً أمام حركة التغيير، وهذا ما حاول ابن خلدون تفسيره عندما تعرض لحالة اقتداء المغلوب بغالبه، فقد يكون سببه ما استقرَّ عند المغلوب أحياناً بعظمة الغالب (اعتقاداً من المغلوب بكمال الغالب)، أو قد تكون حالة من الانتقام النفسي التي تدفع الضعيف نحو تشويه المجتمع بقراءة الواقع، والنصوص المقدسة بما يتلاءم مع غرائزه النفسية المشوهة.

  
إنَّ الأحزاب التي تُعاني من أزمات نفسية واجتماعية لن تستطيع قراءة الأفكار بالشكل الذي تتفاعل فيه مع الواقع المعاش، بحيث تصبح قادرة على أن تُعالج قضايا الشعوب، وتُلبي طموحاتها المنشودة، وإنَّ الحكم ليس منبراً رئيسياً في توجيه الناس نحو التغيير والإصلاح؛ لأنَّ النفس إذا اقتنعت بفكرة تفاعلت معها بإيمان عميق وليس ترفاً أو إجباراً لتحظى بلقب التغيير الصوري، إننا مطالبون بإعادة النظر في التفكير النمطي الذي يُسيطر على فكر التغيير، ودق ناقوس الحاجة التي تفرض على فكر الإصلاح سياسة الاندماج في المجتمع بصورة تسمح لنا فهم طبيعة النفس التي تُعاني من استبداد الحاكم، وعزلة الدين.