سيجارة على رصيف المستشفى

blogs - مستشفى فلسطين

لا زالت الأمم والشعوب الراقية قديماً وحديثاً ترفع شعاراً رائعا عنوانه أن "الإنسان أغلى ما نملك"، تلك الشعوب التي رفعت هذا الشعار جعلت لحياة الإنسان قدسية تفوق أي شيء آخر، فلم تسمح ببناء حضارتها على أنقاض الإنسان ولم تسمح لأي أولويات أخرى أن تكون على حساب حياة الإنسان. أما نحن في فلسطين فقد رفعنا شعاراً مغايرًا وهو أن الإنسان أرخص ما نملك، كيف لا ونحن نقدم كل شيء ونعطي لكل شيء قدسية أعلى من حياة الإنسان، هذا نراه واضحاً في إنفاق الدولة وقوانينها، الدولة التي لديها استعداد أن تنفق على الحفلات والبهرجات الكاذبة أكثر بكثير مما تنفقه على الصحة، الدولة التي يسافر مسؤولوها عشرات السفريات الكاذبة ويقيمون في أفخم الفنادق على حساب ذلك المواطن الذي لا يجد سريراً أو طبيباً في قسم من أقسام المستشفيات القليلة المنتشرة في أجزاء الوطن.

 

كنت قبل أيام في قسم الطوارئ في مستشفى عالية الحكومي، حيث تم نقل عمي بحالة حرجة الى هناك، كل زاوية من زوايا الطوارئ تنبؤك أننا نرفع شعاراً واحداً وهو "أن الانسان أرخص ما نملك"، ألسنا من أطلقنا قبل أيام مفرقعات بمئات آلاف الشواكل واليوم لا نجد سريراً في قسم العناية المركزة لمريض على حافة الموت؟ ألسنا من أنفقنا كل مدخراتنا من أجل أن نباهي بابننا الناجح في الثانوية العامة واستأجرنا الصالات وأقمنا الحفلات ولو طُلب منا شيكلٌ واحدٌ كتبرع لمستشفى نتحجج أننا لا نملك شيء؟ هذه المستشفى وهذه الآلية في العمل تؤشر أننا نتقن صناعة واحدة وهي صناعة الموت، كل الترتيبات تنبؤك بذلك، طبيب باطني واحد مطلوب منه أن يتابع عشرات الحالات وأن يملأ –على الإنترنت– نماذجَ التحويل التي تطلبها الوزارة عند تحويل المريض لمستشفى آخر في حالة عدم وجود مكان في المستشفى الحكومي، ومطلوب منه أيضاً وهو في غمرة كل ذلك أن يخطر بباله ديونه الشخصية لأن راتبه لا يكفيه.

 

في تلك اللحظات شعرت بالمأساة، وتبادر الى ذهني مجموعة من الأسئلة، إلى متى؟ إلى متى سنبقى نتجرع الموت في كل ناحية من نواحي الوطن؟ نتجرعه لأننا رفعنا شعار أن الإنسان أرخص ما نملك

لم يُقصّر الطبيب معنا وتابع إجراءات تحويل مريضنا لمستشفى آخر، ولكن بلا شك فإن طوابير المواطنين الذين ينتظرون علاج مرضاهم المخطرين أيضاً شعروا بتقصير ذلك الطبيب تجاههم لأنه لا يستطيع أن يعالج مرضاهم، اتصالات مكوكية لكافة المستشفيات المحيطة لم تُعطِنا أية بارقة أمل بأن ينجو مريضنا، فالمستشفى الأهلي والميزان والمطلع ليس لديهم فراغ لأي سرير في وحدة العناية المركزة، فنحن بلد تافه نتقن الصرف على كل أنواع الكذب والبهرجات الاجتماعية، ولا نفكر بأن نحل مشكلة واحدة من مشاكل الصحة التي تعاني منها مدينتنا. وأولها هو عدم وجود أسرة كافية في وحدات العناية المكثفة. مرت الدقائق ببطء، ولم يبق شخص إلا تدخل واتصل بكل واسطات الدنيا، وكان جوابٌ واحدٌ يأتي من المستشفى الأهلي، أننا على استعداد لاستقبال المريض لكن لا يوجد مكان، طلبنا منهم أن يتم إدخال المريض لوحدة أقل من وحدة العناية المركزة، فرفضوا ذلك حفاظا على حياة المريض الموجود حاليا في وحدة العناية الإلهية دون أجهزة أو أية رقابة في قسم الطوارئ.

 

شعرت بنوع من اليأس وقررت أن أترك الطبيب الذي أجرى الاتصالات في الطوارئ، وأن أخرج للخارج لأشم شيئا من الهواء النقي المفقود في قسم الطوارئ، هناك في الخارج وجدت ابن عمي؛ وهو ابن الرجل المريض المخطر، يدخن سيجارة على رصيف المستشفى، ويضحك ضحكة لا يمكن لكل خبراء النفس الذين يعيشون في أوروبا أن يفسروها؛ فهي ضحكة المواطن العربي المقهور الغلبان المغلوب على أمره، قال كلمة جميلة: "رميت حملي على ربنا". هناك في غزة هاشم وعلى رصيف مستشفى الشفاء كان مواطن فلسطيني غلبان آخر يدخن سيجارته ويتبادل الحديث مع أقاربه حول وضع ابنه المخطر الذي أصيب على حدود قطاع غزة، فالجميع بانتظار موافقة الجانب الإسرائيلي على تحويل ابنهم الى المستشفى الأهلي في الخليل، المستشفى حجز له سريراً في وحدة العناية المركزة وهم بالانتظار. في لحظة واحدة، تبدلت الأحوال فعلى أرصفة المستشفيات البائسة جاءت الأخبار لطرفي الوطن، الجانب الإسرائيلي رفض السماح للمصاب الغزاوي بالمرور وأبلغت المستشفى بذلك، فأصبح لدى المستشفى الأهلي القدرة على استقبال مريضنا.

 

في تلك اللحظات شعرت بالمأساة، وتبادر الى ذهني مجموعة من الأسئلة، إلى متى؟ إلى متى سنبقى نتجرع الموت في كل ناحية من نواحي الوطن؟ نتجرعه لأننا رفعنا شعار أن الإنسان أرخص ما نملك، رفعنا هذا الشعار في السياسة عندما قبلنا بحصار غزة وتناسينا الموت الذي يلاحق أبناءها كل يوم وأصبحت حياتهم رخيصة في نظر السياسي الذي يعيش في قصوره العاجية، رفعنا أيضا شعار الإنسان أرخص ما نملك في موازنات الدولة التي تنفق على كل شيء وتعطي الفتات للجانب الصحي، رفعناه ونحن نمارس الفساد في التعيينات في المستشفيات حتى وسّد الأمر إلى غير أهله وأصبحت المعاناة مضاعفة في المستشفيات الحكومية نتيجة سوء الإدارة. اليوم بات مطلوباً أن نستيقظ وأن نعيد نظرنا لحياة المواطن الفلسطيني وأن نعيد القدسية لتلك الحياة التي جعلها الله أغلى من الكعبة.