شعار قسم مدونات

رواية عربية أم رزاية عربية؟

blogs - books

لقد كثر الحديث والنشر عن الروايات العربية في السنوات الأخيرة حيث ظهر لنا روائيين كثر بأسماء متعددة ومنطلقات كثيرة جداً. يتحدث الكل عن نفسه أنه روائيا يحمل قضية من قضايا الأمة يصورها في أحداث ووقائع ليسوقها للقرّاء حتى يوصل رسالة ما.. والرواية أول ما ظهرت كانت للتسلية من جهة والمساهمة في بناء الفرد ثقافيا واجتماعيا وحتى سياسيا إن أردنا ذلك من جهة أخرى، لكن المتتبع لأصل الروايات العربية في هذا الوقت بالذات يجدها تلك القصص المشفرة والمستعصية ألفاظها والمضغوطة في معانيها حيث لا يكاد القارئ أن يصل إلى المعنى إلا إذا صاحبه كاتب الرواية وهذا عين المشكلة في كتابة الرواية والقصة العربية الحديثة.

  
لا أريد تسمية روايات ولا كتب من هذا النوع لكن يكفيني تصوير الحالة أنها عقدة في قلب الكاتب أو الروائي إن جاز أن نسميه كذلك، هذه العقدة تحمل في معناها روح التكبر على القارئ واستصغاره كذبا وزورا واستعلاء على أنه لا يفهم ما يكتبه هذا المثقف الكاتب الذي له لسانا عاصيا على الفهم إلا من طبقة سامية من المفكرين والقراء بحيث هو الذي يؤسس للتعقيد ويبحث في سلة الألفاظ عن تلكم التي تحمل الرمز بدل المعنى وتتغطّى بالظلمة في معانيها بدل الوضوح رغم أن هذا الأخير طبيعتها وأصلها.

 

إذا كنت روائيا أو كاتبا وتحمل في قلبك هذا الحس فاعلم أنك لست إلا في بداية الطريق ولا تجعل من الغبار هذه يطغى فيصبح رانا لا دواء له سوى التغيير وإعادة التوجيه من جديد. إن الرواية العربية اليوم حينما تقرأ في أغلبها لا تجدها سوى نافذة يريد صاحبها الوصول إلى شهرة بين القراء وهذا ليس عيبا حينما يناضل الإنسان من أجل ذلك، غير أن الطبيعي والمعقول هو أن يكون الروائي صاحب روية وثقافة واطلاع ليجعل من روايته تلك المطية التي يطل بها القارئ على تجارب نافعة ومعلومات مفيدة وإضافات تنمي فكره وتطعّم ذاته. وبالتالي يكون قد حقق هدفه بأسمى صور الالتزام الأدبي والمعرفي. وفي المقابل إذا خلت الرواية من كل معاني الإفادة للقارئ فلا يمكن أن نسميها سوى "رزاية" على اعتبار أنها تساهم في رزية العقل العربي الاسلامي الذي يعيش أصلا واقعا مأساويا على كل الأصعدة ثقافيا وإعمالا وتفكيرا وتمييزاً!

  

لم تعدد لنا في المكتبات العربية روايات يمكن أخذ نصوصها في امتحانات اللغة العربية وآدابها ولا كنصوص لدراستها  سوى ما تركه لنا الأولون 
لم تعدد لنا في المكتبات العربية روايات يمكن أخذ نصوصها في امتحانات اللغة العربية وآدابها ولا كنصوص لدراستها  سوى ما تركه لنا الأولون 
 
معرفة أم تجارة؟

إذا كانت القضية كل القضية هي المساهمة في بناء العقل العربي وتشجعيه إلى البحث والقراءة والتصالح مع الدفاتر والحروف كما كان في عهوده السابقة فإن ذلك هو الرسالة الكبرى التي لزاما على كل كاتب أن يجعلها رسالته وغايته وهدفه أما كوننا أداه في أيادي السياسيين ورجال الأعمال وكذا الترويج لأحزاب وتيارات بدلا للترويج الإيجابي للأفكار التي نراها تساهم في بناء العقل العربي الذي يشوبه التأزم والصراع الباطل والابتعاد عن المعقول أصلاً وإلصاق الخرافة والأسطورة به بدل الحقيقة والمعرفة الصحيحة والعلمية.. لذلك نجد أكثر هذه الروايات تساهم في تعطيل التفكير وتشجيع القارئ على الركود والجمود على اعتبار أن شبابنا اليوم لا يقرؤون وإذا قرأوا فإنهم لا يقرؤون سوى مثل هذه الروايات الدنيئة كأمثال روايات أحلام مستغانمي وشبيهاتها.

  
فالقضية عند كثرتهم في كسب المال لا في كسب العقول وكسب اسم كاتب لا كسب القلوب لذلك لم تعد لنا في المكتبات العربية روايات يمكن أخذ نصوصها في امتحانات اللغة العربية وآدابها ولا كنصوص لدراستها في المدارس والجامعات سوى ما تركه لنا الأولون وما تبعهم القليل القليل من التابعين بإحسان أدبي وحس أخلاقي في كتاباتهم وما تخطه أيديهم.

  

تتبعت الكثير من القراء الشباب فوجدت أغلبهم قد افتتنوا بمثل هذه "الزرايات" التي لا ترقى لدرجة الرواية ونصحتهم بروايات نرى فيها دعوى للمعرفة وتشجيع على القيم وربما هذا الأمر الأساس الذي دفعني لمشاركة هذه المقال.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.