شعار قسم مدونات

الثانوية العامة فى مصر أفراحُ ومآتم!

blogs الثانوية العامة

قالوا قديماً أن الوصولَ للقمةِ أسهلُ بكثيرٍ منَ البقاء على القمةِ .قد ظهرت نتيجةُ الثانوية العامة الفترة الماضية، وكالعادة في كل البيوت، اما الفرح والتهليلُ، واما البكاءُ والعويلُ، من حصل على المجموع الكافي لدخوله الكُليات التي يسمونها القمة، فيفرح فَرح المُبشر بدخول الجنة، وإن لم يكن فيحزن حزن المحكوم عليه بالإعدام شنقا، قبل أي شيء، أهنئ كل من تعب وبذل جهداً -أياً كان مَجمُوعُه- فهو من يستحق التهنئة، وأقول له إن كُنتَ حصدت ما ترجوه فمباركٌ وهذه خطوة على طريقِ النجاح، وإن لم يكن كذلك فمبارك واعلم أن جُهدَك عند اللهِ لن يضيعَ، وإن كان البشرُ يقدرونكَ على قدر الأرقامِ التي لا تعكسُ جُهدَك بالمرة، فان الله يقدركَ على قدر جهدكَ .
   
والمجتمعُ المصري الذى لا زال يؤمن بنظرية المرةِ الواحدةِ، كأن الذى يدخل كُلية من كليات القمة هو من ضمن مستقبله، وإن لم يكن فقد خاب وضاعت حياته ومستقبلهُ، إن طوائف المجتمع بأسرِها مهمة، وليس المجتمعُ حِكراً على طائفةٍ بعينها أيا كانت تِلكَ الطائفةُ، وإن اعتقد المجتمعُ ذلك فهو مجتمعُ متخلفُ ومريض. أيها الناس، إنٌ لهذا الكون خالقاً والهاً اسمه "الله"، كيف لأناسٍ يؤمنونَ بوجوده أن يعتقدوا مثل هذا الاعتقاد، إن أسباب النجاح ليست مُحددة على عامِ بعينهِ، وليست السعادة أو النجاح لها مسارُ إجباري، كان أينشتاين أفشل البشر في حياته الأُسرية.
   

يجبُ عليكَ أن تنطلقَ من الموضعِ الذى وضعكَ اللهُ فيهِ، وأن تكون أهلاً له وتتكيف مَعَهُ، وكن قويا وليناً، فلا تكن يابسا فتُكسر ولا ليناً فتُعصر

إن النجاحَ في الحياةِ لا يمُت بصلةٍ إلى مجموع الثانوية العامة، إنما الثانوية العامة آداةُ توجيهيةُ، تحددُ بها وجهتكَ وطاقتكَ ونقطة تميزكَ وإبداعك، فكما أن الله قد خلق لك بصمةَ إصبعٍ تميزك عن البشريةِ كُلِها، فقد وهبك طاقةً إبداعيةً يَجِبُ عليكَ اكتِشافُها، إن المجتمعات الغربية يعرفُ فيها الفتى وجهتَه -ميولَه ونقطة تميزه- قبل أن يبلغَ العشرين، ونحن في مصر لا ندرك الحياة العملية إلا بعد حياة نظرية طويلة المدى، لا تنفع بأي شيء في الحياةِ العملية، وتحدث الإسطوانة المحفوظة المشروخة "نجح وتزوج وأنجب ومات" وإن كنا لا نريد من الحياة سوى الطعام والشراب والإنجاب، إذن فبم نتميز عن الحيوان؟ 
   
هناك الكثير -بل الأغلبية- من شبابِ المصريينَ تكون وظيفتهُ غير قائمةٍ على سنوات دراستهِ أصلاً، فما بالُكَ بعامٍ واحد، النجاح في الحياة نابع من دخيلك أنت، ومن صميم وجدانك وفطرتك الإبداعية، فلا تهتم بعقليةِ مُجتمعك الترابية، التي لا تستَحِقُ الا نِعالُاً تَدهسُها، أنتَ مميزُ فإياكَ أن تَسمحَ لأحد أيا يكن بأن يُحبِطَكَ، فهم كثيرون والله، وإن أصغيت وشغلت بالكَ بالبشر؛ فلن يجتمعَ في قلبكَ إرضاءُ خالقِ البشرِ والبشر، كل ما عليك هو التوكلُ على اللهِ والرضا بقضائهِ وقَدرِه، وانطلق كالحصان الجامح في أرض الله، وانتشر ولا تنتحر، فقول المجتمعِ أن تلكَ السنة هي المصير، فهذا المجتمعُ بذلك يحدد لنفسه المصير.. وهو الفناء، ولا تحزن ولا تذرف دمعة واحدة، فالدنيا كلها لا تساوى دمعة حزنٍ تَذرِفُها، وأنتَ لا تعلمُ ما يُكِنُه اللهُ تعالى لك، وأنه تعالى لا ينسى الطائر في عُشه، فكيف ينسى الذى انطوى فيه العالمُ الأكبرُ.
     
يجبُ عليكَ أن تنطلقَ من الموضعِ الذى وضعكَ اللهُ فيهِ، وأن تكون أهلاً له وتتكيف مَعَهُ، وكن قويا وليناً، فلا تكن يابسا فتُكسر ولا ليناً فتُعصر، كن مزيجاً بينهما، إنك مخلوقُ من طين، والطينُ هو الوحيد الذى يجمع بين القوة والليونة .كل ما عليكَ هو أن ترضى بما كُتبَ لك، فالرضا أهم من مَجموعِكَ لنجاحك وسعادتك، ثم فتش عن تميزك، وانطلق وابذل جُهدَك، ولا تسمع للحمقى، هؤلاء الذين يشبهونَ الشيطان، عندما نظر إلى أدنى المراحل التي مر بها آدمُ عليه السلام وهو "الحمأ المسنون"، وهم كذلك يقللون منكَ -أغلبهم- وكأن هذا التقليل أمرُ واقع ليس لكَ منهُ مناص. وكيف ذا وأنت في وضع أراد اللهُ لكَ أن تكون فيه، فتوكل عليهِ وانتظر فرج الله تعالى عليك، ألا إن فرج اللهِ قريبُ.