شعار قسم مدونات

بين كأس العالم وصفقة القرن .. محاولة لفهم عقلنا!

blogs - القدس

لماذا خرجت المنتخبات العربية من الدور الأول؟ لماذا خرجت بعدهم الأرجنتين والبرازيل؟ لماذا خسرت كرواتيا نهائي كأس العالم؟ الجواب هو بسببنا نحن، لأننا منحوسون، أصبناهم بحظنا العاثر، فأخفقوا. لماذا يتصرف الغرب بهذه الطريقة أو تلك؟ السبب هو نحن أيضاً، لأنه يريد القضاء علينا ومحاربتنا، وإزالة الخطر الوجودي المحدق به بسببنا. كيف توصل أينشتاين لنظريته النسبية؟ الجواب هو عن طريقنا نحن مرة أخرى، نظريته موجودة عندنا منذأكثر من 1400 سنة. ما هي الماسونية؟ الجواب بسيط هي مؤامرة ضدنا نحن. وآلاف من الأجوبة المشابهة تنتشر في مجالسنا اليومية وتغريداتنا عبر الفضاءات الافتراضية.

 

يبدو من خلالها أننا نعتقد أو نحب أن نعتقد -جزء كبير منا على الأقل يفعل- أننا مركز العالم، ومركز التاريخ. لكن هذا ما سيبدو فيما يتعلق بكرة القدم، بقصص التاريخ وسيناريوهات المؤامرة المشوقة، في أقصى الأحوال قد يصل إلى الأحداث العابرة، كتفسير الزلازل بأنها نتيجة ذنوبنا نحن، ونزول المطر كنتيجة لطاعاتنا نحن. بطريقة أخرى يبدو أننا نميل إلى تحليل الأحداث عبر وضع أنفسنا في مركزها، فقط وفقط إذا كانت أحداثاً لا تؤثر مباشرة بنا، ولا تتعلق بشكل واضح بأفعالنا وخياراتنا، لكن هل نستخدم الطريقة نفسها في تحليل الأحداث المتعلقة حقيقة بنا؟ المؤثرة مباشرة في حياتنا؟

 

لنستخدم مثالاً، كيف فسرنا ظاهرة أثرت في مجتمعاتنا وحياتنا، الظاهرة التي خطفت حيوات كثير من أحبابنا وأهلنا، وجزءاً من أرواحنا، ودمرت بيوت ومدن وأحلام وذكريات الكثير منا، كيف فسرنا داعش؟ هل كنا نحن السبب هذه المرة في ظهورها على غرار النظرية النسبية؟ أم أن كل فريق بدأ إنكار علاقته بالموضوع وتوجيه أصابع الاتهام في كل الجهات إلا جهته؟

 

أننا أمام معادلة معكوسة، فكلما كانت قضية ما متعلقة بنا أكثر وزاد تأثيرها علينا بشكل أكبر وكنا مركز التأثير فيها كداعش أو التأثر بها كصفقة القرن، فسرنا حجم تأثيرنا فيها بشكل أقل

بدأ أصحاب الفكر الذي خرجت منه داعش -وأخواتها الشبيهة بها قبلها وبعدها- يتبنون نظرية مفادها أن داعش ظهرت من رحم أجهزة المخابرات العالمية، متجاهلين أية حواضن فكرية سابقة وممهدة لها تتبنى نفس رسائل الكراهية والعنف والانتقام، ومتغافلين عن كم الأفراد المعروفين الذين خرجوا من داخل هذه المدارس الفكرية مباشرة إلى داعش حاملين الأفكار نفسها، مع شغف بدء نقلها من الكتب والمجالس "العلمية" إلى أرض الواقع.

 

في الجهة المقابلة، كيف تعاملت الأنظمة الرسمية؟ بدأت بتحميل المسؤولية تارةً للمؤسسات الدينية التي روجت طوال عقود لهذه الأفكار -وكأنهم اكتشفوا ذلك الآن فقط-، وتارةً لأنظمة ودول معادية تدعم هذه الجماعات الإرهابية، دون أن يعترفوا، ولو بين أنفسهم، أن اضطهادهم المستمر لشعوبهم، وقمعهم لحرياتهم، وسلبهم حقوقهم طوال هذه المدة كان سينتج حتماً أفراداً وجماعات يؤمنون بالعنف، أو على الأقل ينخرطون فيه.

 

ماذا عن "صفقة القرن"؟ العملية التي من الواضح أنها ترمي إلى حسم القضية الفلسطينية نهائياً لصالح المشروع الصهيوني، عبر إكمال احتلال المدينة المقدسة، وإسقاط حق اللاجئين، وسلب حق تقرير المصير من شعب بأكمله، وفرض تطبيع كيان يجهر بمعاداته قولاً وفعلاً على أمة بأكملها. كيف تصرفنا في تفسير هذه القضية التي نحن مركزها وهدفها، والتي تمس واقعنا وتهدد هويتنا وتاريخنا؟ هل كنا نحن سبباً هذه المرة؟ أم أننا تنازلنا مرة أخرى عن منصب مركز العالم واكتفينا مجدداً بإلقاء اللوم على كل الأطراف إلا أنفسنا؟

 

في الواقع بدأنا منذ اللحظة الأولى لظهور بوادرها، بإزاحة اللوم عن أنفسنا، وإنكار تأثيرنا، ولو حتى غير المباشر، في هذه القضية انقسمنا إلى ثلاثة أقسام، القسم الأكبر التزموا الصمت تماماً، البعض لأنهم مستفيدون من الوضع الجديد لأسباب كثير، والبعض الآخر لأنهم يعتقدون أن التظاهر بالتجاهل يعفيهم من المسؤولية، بمنطق الطفل الصغير الذي يعتقد أنه بتغطية عينيه يمنع الآخرين من رؤيته، قسم ثانٍ اعتلوا المنابر معلنين عداءهم "للصفقة"، ثم استخدموها شمّاعة لتخوين كل من يختلف معهم، معلنين أن كل من يعترضهم هو جزء من تمريرها، ولو كان يعترض على تمريرها أصلاً.

 

والقسم الأخير، أعلنوا عداءهم لها، وعزمهم على محاربتها والقضاء عليها، يبدو أنهم يتخيلون أن أحداً سيستأذنهم وأن رفضهم سيوقفه. أيٌّ منهم لم يعتبر نفسه جزءاً من المشكلة، لذلك لم يعتبر نفسه جزءاً من الحل، في أحسن تقدير اعتبر البعض أنفسهم طرفاً في تنفيذ الحل، لكن كيف ستنفِّذ حلاً لمشكلة لا تعرف منها غير اسمها؟

 

علينا الانتباه والحذر من أن وقوعنا في المشاكل وفشلنا في حلها قد صاحبه أحياناً ولا يزال خيباتُ أمل حادة وقاسية، ينتج عنها انقلابات شديدة في الأفكار وبالتالي في المواقف، تؤدي إلى المبالغة في جلد الذات وتحميلها المسؤولية

ننتهي إلى القول أننا أمام معادلة معكوسة، فكلما كانت قضية ما متعلقة بنا أكثر وزاد تأثيرها علينا بشكل أكبر وكنا مركز التأثير فيها كداعش أو التأثر بها كصفقة القرن، فسرنا حجم تأثيرنا فيها بشكل أقل ووضعنا أنفسنا قدر المستطاع أبعد ما يكون عن مركزها، وبالعكس، فكلما كانت القضية لا تهمنا ولا تؤثر فينا كخسارة كرواتيا نهائي كأس العالم، كلما أحببنا أن نضع أنفسنا في مركزها ونشعر بتأثيرنا عليها.

 

إننا إذ نعتزم التخلص من هذه المتلازمة الضارة التي تعيقنا عن ملاحظة المشاكل والأخطار الحقيقة التي تهددنا، ما يؤثر سلباً على فهمنا وتقييمنا لأسباببها، وبالتالي على علاجها، فإننا يجب أن ننتبه إلى جملة من المحاذير المهمة.

 

أولاً: أننا وإذ نتفق على أن لنا دوراً في كل قضية تخصنا أو مشكلة نحن جزء منها، فإننا يجب أن لا نعطي أنفسنا أكبر من قدرها، بأن نحملها ما لا تأثير لها عليه، فاعترافنا بدورنا كجزء من مشاكلنا لا يدفعنا لإغفال الظلم الذي نتعرض له، والذي قد يكون في كثير من الأحيان المسبب الأكبر لمشكلتنا، وهو ما يلعب عليه أعوان الظالمين والمستبدين من رجال الدين والإعلام والسياسة بإيهام الناس أن حل مشاكلهم يتوقف أولاً وأخيراً على تصرفاتهم وخياراتهم ونوع الدجاج الذي يفطرون عليه في رمضانهم.

 

ثانياً: أن عِظَم الظلم الذي قد نتعرض له، وكبر المؤامرة التي قد تستهدفنا لا يجب أن يسمح لنا استسهال التهرب من المسؤولية الملقاة على عاتقنا كجزء من المشكلة، وبالتالي من حلها، بل يفترض به أن يتحول إلى دافع يحفزنا على مضاعفة الجهود المبذولة حتى نستطيع التغلب على مشاكلنا، عبر فهمها الصحيح بدايةً، ومساهمتنا بكتابة أقدارنا بأيدينا نهايةً.

 

ثالثاً: أن علينا الانتباه والحذر من أن وقوعنا في المشاكل وفشلنا في حلها قد صاحبه أحياناً ولا يزال خيباتُ أمل حادة وقاسية، ينتج عنها انقلابات شديدة في الأفكار وبالتالي في المواقف، تؤدي إلى المبالغة في جلد الذات وتحميلها المسؤولية في كل صغيرة وكبيرة، وهو ما لا يقل خطراً عن تجنيبها المسؤولية تماماً، فكلتا الحالتين تمنعان دراسة المشكلة بشكل حقيقي، وبالتالي إمكانية حلها.