عِندما قابلتُ خفّاشًا في متاهة المرايا

عندما ننظر إلى العالم، نرى الأشياء وتفاصيلها، بعدسة أعيننا، ونحاول أن نعبّر عنها، ونقرّ أنها الحقيقة، وكأن الجميع يراها بأعيننا، كما نراها نحنُ، ولكنًّ الحقيقة أنهم يرون أشياءً أخرى، قد تكون أكثر واقعيّة مما نراهُ، وبتفاصيل أخرى، ربما أكثر دقّة من تلك التفاصيل التي نراها..
   
يقول العلم: أن عين الخفاش لا ترى كما ينبغي.. لكنه يعرف الاتجاهات عن طريق الموجات الصوتية التي يرسلها لترتد عن الأجسام ثم تعود فتستقبلها أذنه الحساسة ليعرف أن هناك شيئًا ما أمامه لا يجب الارتطام به.. ويقول الباحث الشهير ريتشارد دوكنز في كتابه "الجديد في الانتخاب الطبيعي": أن الخفاش يستقبل هذه الموجات ليقوم عقله بتكوين صورة ما في ذهنه يدرك بها العالم كما نفعل نحن بالضبط..
   

لا يوجد في الحياة ما هو صائبٌ دائمًا، ولكن هناك شيء قد يضاهي هذه الفكرة، وهو أن نستعين بالآخرين في الأشياء التي لا نستطيع أن نراها كاملةً، ليكمّلوا لنا الصورة

هذا منطقي بيننا.. فهل يحلّق الخفاش في السماء ويقول لنفسه "سأرسل الآن موجات صوتية ولنرى معًا متى ترتد!.. ها هي قد ارتدّت.. فلأحسب الوقت التي استغرقته لكي ترتد حتى أعرف هل يجب على الانحراف يمينًا أم لا؟!.. بالتأكيد لا يقوم بهذا.. وإلا لما عاشت الخفافيش حتى يومنا هذا إلا وقد حصلت منها على الدكتوراه في الفيزياء!.. هذه العملية لا إرادية تمامًا كما تقوم العين باستقبال الأشعة الضوئية وإرسالها الى الشبكية كي ترسلها بدورها الى المخ كي يقوم بترجمتها الى صورة، وهكذا..
    

الخفّاش يرى لكن بصورة مختلفة عن المعهودة لدينا جميعًا.. فلو أطلقنا خفّاشًا في بيت جحا الذي نعرفه في الملاهي.. تلك المتاهة المليئة بالمرايا والحوائط الزجاجية.. هل سيضِل طريقه؟.. بالطبع لا.. هو يرى هذا الزجاج وهذه المرايا لأنها أجسام صلبة.. الخفّاش لن يضل طريقه في هذا المكان أبدًا مثلنا نحن.. وقد ينظر هازئًا لنا -نحن البشر- ونحن نتخبّط في هذا التيه معتبرًا إيّانا عميانًا تمامًا!..
 

ننظر دائمًا للأمور من زاويتنا نحنُ، فنبني أراءنا على ما نراه، ونؤمن به فنراه صوابًا دون غيره من الآراء والمعتقدات ووجهات النظر الأخرى، بل وأحيانًا قد نرى وجهات نظر الآخرين وكأنها محض خرافات!.. ربما تكون صحيحة أحيانًا أو -على الأقل- صحيحة بالنسبة لنا نحنُ، لأننا نراها فقط من زاوية واحدة، زاويتنا الخاصة!..
 
الحقيقة أننا دائمًا ما نحتاج لزوايا كثيرة تحكي لنا ما نراه في لوحة الحياة الكبيرة المعقّدة كي نتفادى أخطاءنا الجسيمة التي نقع فيها فتحدث لنا ثقوبًا قد تغيّر مجرى حياتنا أحيانًا.. لا يوجد في الحياة ما هو صائبٌ دائمًا، ولكن هناك شيء قد يضاهي هذه الفكرة، وهو أن نستعين بالآخرين في الأشياء التي لا نستطيع أن نراها كاملةً، ليكمّلوا لنا الصورة، ولنقترب بذلك من الصواب أو نحققه، وبهذا سنرى الأمور كما يجب، فلكل زاوية رؤية، وفي كل رؤية تجارب كثيرة لا يشترط أن نكون قد مررنا على جميعها، ولا يفترض بنا أن نفعل..
     

 

بالتأكيد لسنا جميعًا متساويين في القدرات، والمعرفة، وتقدير الأشياء وفهمها، ولكن لكلٍ منا تقديراته الخاصة، وتجاربه التي تؤثّر على تصرّفاته وقراراته أحيانًا.. لذا في بعض الأحيان، يجب أن نعامل الناس على أنهم خفافيش، فنعطي لهم الحق في أن يروا الأمور من زاويتهم، أو بإمكانياتهم هم، وبرؤيتهم لها، التي هي بالنسبة لهم صائبة تمامًا، ونتعامل على أنها هكذا، سواءً كانوا أبناؤنا أو زملاؤنا أو أصدقاؤنا.. لا يرى الجميع ما نراه كما نراه، لأن رؤيتنا هي صورة مبنيّة على تجاربنا ومعتقداتنا وأشياء كثيرة لا يشتركون معنا فيها بكل تأكيد..
 

لكل شخص مساحة خاصة من الحياة مكوّنة من تجارب واطلاع ومعرفة، يبني كل شيء على أساسها، لنكن أكثر حرصًا على ألا نقلل من شأن تلك المساحة لدى أحدهم، فهي بكل تأكيد ما استطاعه من فكر وعلم وتجربة.. احترام الآراء والاستماع إليها، والحِرص على عدم التقليل من الرأي الآخر، أو وجهة النظر الأخرى، والمحاولة الجدّية في فهم الآخرين، لا يجعلنا أقل شأنًا، ولا يقلل من وجهة نظرنا، والناس تجارب إن لم نتعلّم منها، يجب ألا نخسرها، لأننا بكل تأكيد سنحتاج إليها يومًا، فلا نملك من الوقت ما يكفي كي نجرّب كل هذه الأخطاء لنتعلّم منها.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة