عندما قررت مقاطعة الهاتف الذكي

قد يكون أمر الاستغناء عن استعمال الهاتف الذكي صعبا للغاية، لكنه ليس مستحيلا، إذ أن الواتساب والفايسبوك صار جزء لا يتجزأ من حياتنا، ففقدنا بذلك القدرة على التنازل عنه، لأنه بات يساعدنا على نحو ما، وفي نفس الوقت يأخد من وقتنا الكثير ولا يدعنا نمارس حياتنا بشكل طبيعي، هذا هو السبب الذي دفعني لخوض تجربة الاستغناء عن استعمال الهاتف الذكي، ومحاولة ممارسة حياتي بعيدا عنه، قررت ذلك من أجل استكشاف مدى قدرتي على التخلص من هذا الكابوس، ومن أجل معرفة المدى الذي تتشكل فيه حياتنا بعيدا عن التكنولوجيا، ومدى الاستسلام الذي نتعرض له دون التحكم في حياتنا بشكل طبيعي وبعيدا عن الهاتف الذكي.

لست أدري إن كنت قادرا على ممارسة وتحمل الحياة بلا هاتف ذكي، خصوصا وأني كنت مدمنا عليه إلى درجة لابأس بها، حيث لا يمر يوم إلا وخصصت من وقتي ما يكفي للتواصل عبر الواتساب ولاستكشاف مستجدات الساحة الفايسبوكية، إلى درجة أني بمجرد ما أستفيق من سباتي أقوم بإطلالة على رسائلي الصباحية وأخر الأخبار التي لا ينتهي جرسها من الرنين كلما فتحت الأنترنيت الخاص بالهاتف، لقد وصلت إلى مرحلة لم أعد قادرا فيها عن الاستغناء عن الهاتف الذكي، وبعد أن أدركت هذا الخطأ الفادح، قررت مقاطعة هاتفي الذكي، لكي أستريح من إدماني عليه، ولمعرفة مدى قدرتي على التنازل عنه، ولكي أؤكد أنه ليس أكثر من حاجة ثانوية بالنسبة لي، وأن حياتي يمكن أن تسير بالاستغناء عنه، هكذا قررت الخوض في هذا التجربة لمدة غير محددة.

أن تتخلص من الإدمان، فذلك ليس هينا كما نعتقد، وليس صعبا كما نظن، بل إن ذلك الأمر متاح لمن تسكنه الإرادة القوية للتخلص من سلبية الإدمان، ومن الإدمان على السلبيات

لقد صرت الآن مجبرا على مقاومة رغبتي في استخدام الهاتف الذي لا تنتهي منه الإشعارات الخاصة بالرسائل والتنبيهات وما إلى ذلك، وحتى أكون عند حسن المقاومة لابد من بديل يمكن أن ينسيني رغبتي في استعمال الهاتف، ولعلني سأختار أفضل ما أحبه كبديل لهذا الإدمان، وإذا كان الكتاب خير أنيس كما قيل، فإنني سأعتبره بديلا لمقاومة الإدمان على الهاتف، ومن أجل أن أصير مدمنا على القراءة بناء على ما كنت أتطلع إليه، وفي نفس السياق سأختار مطالعة الكتب والمجلات والجرائد عل ذلك يسعفني لتجاوز إدماني السلبي على الهاتف، ومن أجل أن أواكب رحلتي عبر عالم المعرفة الشاسع، ثم أمارس بعضا من الكتابة التي تنتابني حول كل فكرة تجول بمخيلتي، وقد يكون ذلك كفيلا بإخراجي من تلك الدوامة التي باتت فيها حياتي محكومة بالهاتف الذكي، حتى بدأ الخمول والكسل والإحباط يتسلل إلي من جراء كثرة الاستعمال الذي أحاول أن أجد فيه ضالتي.

أن تتخلص من الإدمان، فذلك ليس هينا كما نعتقد، وليس صعبا كما نظن، بل إن ذلك الأمر متاح لمن تسكنه الإرادة القوية للتخلص من سلبية الإدمان، ومن الإدمان على السلبيات، وقد تكون التكنولوجيا بصفة عامة غير سلبية، باعتبار أنها تتوفر على العديد من الإيجابيات، لكنها تصبح سلبية في الحالة التي تأخد من وقتنا أكثر من اللازم، وتدفعنا إلى الخوض في عوالمها أكثر مما ينبغي، تصبح سلبية عندما تتحكم في حياتنا بشكل مبالغ فيه، وعندما لا تمنحنا فرصة ممارسة حياتنا بعيدا عن كوابيسها، ويصبح معها الإدمان عليها أمر طبيعيا لمن فقد القدرة على الإدراك، وعلى من لم يجد بدا من الخضوع المستمر لهاتقه الذكي، هذا إن أحسن استخدامه، ومن أجل التخلص من الإدمان لابد من رغبة تحددها إرادة قوية لذلك.

بعد أن قررت الخوض في هذا التحدي المثير للاهتمام، أدركت أنه يستحق فعلا أن أخوض فيه، ويستحق أن أخده على محمل الجد، وأن أنقطع ولو بشكل مؤقت عن استعمال الهاتف الذكي، وذلك من أجل أن لا يصير مهما إلى درجة الإدمان، وأن يصبح استعمال الهاتف الذكي في حياتي ثانويا أكثر من اللازم، وفي المقابل أرغب في أن أعطي لحياتي فرصة الخوض في تقاصيل أخرى يمكن أن تغنيني عن رغبتي الجامحة في الهاتف الذكي، وأن أغير إدماني عليه إلى إدمان على الكتاب والكتابة، ومن أجل أن أكتسب من الخبرات ما يكفي للتغلب على ظروف الحياة الصعبة.

إننا نحتاج أن نمنح لذواتنا فرصة الإحساس بالحياة بعيدا عن كوابيس التكنولوجيا، من أجل أن نشعر بوجودنا على نحو واسع، ولكي نبرهن على مدى قدرتنا على الاستغناء عن عالم التكنولوجيا، والذي أعطى لحياتنا أبعادا ومعاني أخرى، تلك المعاني التي فقدنا بموجبها شعورنا الحقيقي، وباتت حياتنا محكومة بالتكنولوجيا إلى حد فقدنا فيه وجودنا الخالص.

يأخد الهاتف الذكي من وقتنا أكثر مما يلزم، وصار ملجأنا للهروب من الواقع، وأصبح ملجأ لنا في كل مرة يتسلل إلينا فيه الملل، وهكذا استسلمنا له بإرادتنا، وصرنا محكومين بالإدمان عليه بشكل مبالغ فيه، ولم يعد لحياتنا أي معنى بدونه، فباتت كل خصوصياتنا مرهونة به، ولم نعد قادرين على الاستغناء عنه وممارسة حياتنا بشكل طبيعي.

 

د تملك التكنولوجيا من الإيجابيات ما يكفي لنصير مدمنين عليها، لكنها تصبح سلبية بشكل مبالغ فيه عندما نستسلم لها وتصير حياتنا مرهونة بها
 

ولقد انهزمنا في معركتنا معه، في الوقت الذي كان مفترضا أن ندمن على أشياء أكثر إيجابية استسلمنا للهاتف الذكي معتقدين أنه سيكون ملاذا أمنا من اضطرابات الواقع، لككنا أخطأنا الصواب، وأسأنا استعمال الهاتف الذكي، واتجهنا بأنفسنا إلى مسارات لن تسعفنا في الخروج من هذا الإدمان السلبي، وانفصلنا بذلك عن أشياء يمكن أن تفيدنا أكثر مما يمكن أن نجنيه من هاتفنا الذكي، لقد اخترنا بإرادتنا الاستسلام لهاتفنا الذكي، بدل أن نعتبره شيئا ثانويا، وفي مقابل ذلك نعطي لأنفسنا فرصة الإدمان على أشياء يمكنها أن تسعفنا في الخروج من هذا الجهل الذي يلاحق مجتمعاتنا كالقراءة واستكشاف الخبايا التي تخصنا في عالمنا، من أجل أن نرقى بأنفسنا وبوعينا.

قد تملك التكنولوجيا من الإيجابيات ما يكفي لنصير مدمنين عليها، لكنها تصبح سلبية بشكل مبالغ فيه عندما نستسلم لها وتصير حياتنا مرهونة بها، وبموجب ذلك نتماطل وتصير شؤوننا الإنسانية مسألة ثانوية ونعطي الأولوية للتكنولوجيا على حساب ارتباطاتنا والتزامتنا وعلاقتنا الإنسانية، وبالتالي تعيق حركة تقدمنا على المستويات المرتبطة بوجودنا وعلاقاتنا، كما أنها تدفعنا إلى الكسل والخمول في المرات التي نستسلم لعوالمها الشاسعة، وهكذا تصبح التكنولوجيا سلبية إلى الحد الذي يجب علينا ألا نعطيها أكثر مما تستحق، وأن نجعلها بمثابة مسألة ثانوية في حياتنا، وأن نحول ذلك الاهتمام الذي يسكننا تجاهها نحو الاهتمام بذواتنا وبعلاقتنا مع الآخرين، وأن نعطي لعلاقاتنا الواقعية فرصة الحياة بدل الخوض في علاقات افتراضية محكومة بالغموض.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة