عقد التحول التاريخي.. الجزائر وإشكالية البحث داخل المذهب

معضلة تواجه بعض الباحثين في مجال المعتقدات الدينية أو بالأحرى أزمة تاريخية يصعب تفكيك رموزها الفقهية عن مثلث التحالف البيني النّاجم عن ثلاثة تيارات كان لزاما أن تعترك يوما ما. ولكن التاريخ استراح ذات عقد كي يمنح لتلك الأعجوبة صوتا سيادياً يخدم جلالة الكرسي. ولكيلا يزايد علينا بعض المغررين بسلّة من المناصب أو أولئك الذين يتتبعون الشبهات دون تحديد مصادرها، فإنّنا نقول لهم رغبة منا لتقريب وجهات النظر، أنّ الشّمعة التي أضيئت ببيت الإمام مالك هي ذاتها التي حركت قلم الشافعي ليلا كي يجمع جواهر معرفته في كتابه الأمّ. ومن ذا الذي يحجر على فتوى الإمام بن حنبل، ومن قبل اتهمت فلسفة أبي حنيفة في العقائد بمسألة الإرجاء. هذه اللغة المتداولة تبعث نوعا من الجماهير لدى المثقف العابر للتاريخ، التابع الذي يلتهم الحالة النّفسية المتجسّدة في جعل الفجوة بين الإله والإنسان مبعث قلق. من أجل ذلك وجب نقد من يمثلون هذا الادعاء التقديسي وإن كانوا على عرى موثوقة من الجدل والامتحان الذي أصيبت به الجامعة المعرفية من الحركات الإسلامية ما بعد الكولونيالية.

 

(ماشج) اسم توليفة أو تركيبة بين مذهب الإمام مالك والعقيدة الأشعرية والطريقة الجنيدية الصّوفية. كيف جاءت ومتى؟ وهل كان بمقدورنا أن نحصل على تحالف آخر رباعي؟ ربما دفاتر التاريخ هي من ستجيبنا. فبها قصص العابرين نحو معرفة حركة القبائل والفتوحات والغزوات التي واكبت عصر النهضة القرشية. ثم تلتها أزمة النّكسة الملكية بعد إمارة الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، التي بعثت نوعا آخر في فهم السلطة وعلاقة الإمامة بالولاية. فتحولـت المرحلة التاريخية من إصدار الحكم الشرعي عن طريق الوحي إلى نقل الفهم لتلك النصوص من طرف الصحابة إلى التابعين. ولد اختلافاً يطفوا فوق سطح الامتثال لمسألة الانقياد، فجمال اللغة العربية وتمكن أهلها من معانيها، سهل لهم فهم النصوص بما يليق بمضمونها ومعناها لذلك لم تخالطها شبهات تناقض.

فهم الصحابة للنصوص القرآنية والسنة النبوية أو آراء مخالفة للمجمع الفقهي الصحابي، حتى القرآن قُرأ بلهجات متعددة وفُهم بلغة واحدة. إلا أنّ النكسة الاولى التي أصابت هذا الفهم هو حجيج العجم نحو الإسلام دون استحلال تعلم العربية وترك ترسباتهم الاثنية الثقافية لديهم، ما خلق فضاء آخر يسمح بظهور مفاهيم تساعد على فهم لغة القرآن والسنة من جهة مغايرة للبيئة العربية أصل المنشأ والرسالة، وتلك معضلة واجهت الفقهاء والعلماء يوم احتدام الصراع بين علماء الكلام وأهل السنة. إلى هنا دائرة التموضع لدى الفكرة الدينية تختصر على الحوارات والنقاشات والردود بين الفرقتين، دون الولوج إلى أصول الفقه ومخرجات قواعده. وإن كانت بعض من تلك الفرق نفت مسائل فقهية بوّبها أهل السنة من العقائد سدّا للذريعة، كالخوارج في نفيهم المسح على الخف.

إن المعرفة الفقهية للأعلام تبرز مخالفة واضحة بين المذاهب الثلاث، وهنا نجد السؤال الجوهري: هل كان الإمام مالك اشعريا؟ مع أنّ الأشعري فقهه شافعي.

بعد الصراع العقائدي الذي ترتب عن الانفتاح الفكري للأمم والحضارات المجاورة وظهور زنادقة سعوا جاهدين لإضعاف السنة لتبرير الأحاديث الضعيفة وخلق الموضوع بها حسنا، ظهرت فئة من علماء الإسلام اجتهدت في جمع ما يصعب جمعه. فكان الإمام مالك بموطئه راويا للحديث مدافعا عن السنة، وفي العراق اجتهد الامام أبي حنيفة بالرد على مخلفات الغساسنة وملوك الفرس وخرافات الرومان. وهنا يكمن جوهر السؤال، ما هي عقيدة الإمام مالك؟ وما مذهب أبي حنيفة في العقيدة؟ وقبل أن نصبر معايير البحث من أجل الوصول إلى فكرة معينة وهي: هل نحن حقا نعمل بتلك القيم التي جمعتها ماشج؟ أم أننا مجرد ممر لرغبة وسط تيارات عديدة ضيقت أفق معرفتنا لذواتنا الحقيقية؟ ربما يقول البعض أنّها ردّة فعل لمواكبة عصرنة المؤسسة الدينية وسيدعي آخرون أنّها نتاج الصراع القائم بين الأصولية الشمولية والإسلام الليبرالي المنفتح على الآخر، ولك أيها الغرب أن تزعم أننا نحن معاشر المسلمين في مرحلة ما من كتابة التاريخ، أهملنا واجباتنا نحوه فحصدنا بعد ذلك أزمات كثيرة. 

 

من كان يعتقد أنّ العقل الباحث في مسائل الذّات الإلهية، سيستعين بالمذهب الذي يمنع السؤال كسمة لسدّ ذرائع أهل البدع من الملة. ومن سيفتي لنا أنّ الحضرة التي هي ركيزة أهل المكاشفة، ستحجب العقل السائل إلى حين "… وجمل من اقول الفقه وفنونه على مذهب الإمام بن انس وطريقته…" رسالة أبي يزيد القيرواني. ص/06. ثم زاد بعدها ما قوله "… ولا يتفكرون في مائية ذاته…" وهي محل النزاع، ومربط السؤال الأول، هل كان الإمام مالك أشعريا؟
 
معادلة تمتد جذور أساساتها لحظة البحث عن السلطة، إذ أن المعرفة الفقهية للأعلام تبرز مخالفة واضحة بين المذاهب الثلاث، وهنا نجد السؤال الجوهري: هل كان الإمام مالك اشعريا؟ مع أنّ الأشعري فقهه شافعي. هذا التحول من نمط معاش نحو فضاء، هو من سهل للسلطة أن تستعين بهذه التوليفة وحق لها ذلك. إذ هي مهنة وظيفية تبحث لها عن مصلحة داخل كل نزعة ورغبة ولكيلا نبخس حقها اليوم، فالفارق التاريخي هو الإمساك بيد السيف (الناس على دين ملوكهم)، كُسر عندما أحاطت الديمقراطية بالواقع الجدلي. ولكنّ الحديث اليوم عمن استلم ذلك الشعار وبانت نواجده يهلهل له بالأسحار وهو يعرف تماما استحالة الوقوع في التوفيق المطلق. إذ الاطباق على المصالح المرسلة في استيعاب المجتمعات، تغلب على الفتوى والاعتقاد والمنهج مؤدية بذلك لظهور فقاعات مذهبية، وهذا حال هذه الأمة إلى من تفكر فيها جيدا.

ومن نظر إلى الحالة المغاربية وبالخصوص إلى الجزائر، لوجد تخبطا تدور في رحله فكرة البحث عن المذهب، ومن نحن وكيف شكله
 
كل حزب بما لديهم فرحون، ولقد منع الإمام مالك تشييع كتابه (الموطأ) بعلة تفرق أصحاب النبي بالأمصار، وغير الشافعي جل مذهبه يوم رحل إلى أرض الكنانة وكان الأشعري ينظر بالمسائل ثم يغير فيها. وروى ابن تيمية روايتين للإمام أحمد وخالف (التأويل) ابن عبد البر مذهب مالك وهو مجدده، فهل يمكن لمن ينحل نحلة ماشج أن يستقيم الأمر عنده؟ بل ويزيد على ذلك في إبراز فقهيات معاصرة وابجديات مستحدثة تخدم مصلحة المؤسسة. أم أن الشعار لافتات نقرأها على عجل من الزمن، لنجد أنفسنا بعد نهاية المطاف عند مقامات نهدم قبابها ونسبّ مقبريها.

 

ومن نظر إلى الحالة المغاربية وبالخصوص إلى الجزائر، لوجد تخبطاً يدور في رحله فكرة البحث عن المذهب، ومن نحن وكيف شكله ولم نحن على تلك النحلة؟ إن الخطاب السائد اليوم من أن الجزائر مالكية اشعرية تنتهج طريقة الجندي في التصوف، يليق بحالة تضع فوق سلطتها قلنسوة التملك أو دعوة قبلية ترجع بنا إلى عوالم مندثرة وجاهلية ملعونة. لم يعد الخطاب الذي تتداوله المؤسسة الدينية بالجزائر يليق بالحالة المدنية التي تسير نحوها الدولة ومجتمعاتها. كيف لنا اليوم ونحن في زمن دمقرطة الأشياء كلها دون استثناء، أن نحجر على من أراد أن يرفع صوته مخالفاً معتقد الأغلبية دون المساس بالخطوط الإنسانية التي تكفل الحق العام. إن مجتمعنا اليوم يتوجه نحو ديانات جديدة مختلفة تماما عما تصدره السلطة المتعلقة بخطابات بائدة، عقول تستهويها السؤال حول الدين والحياة والسياسة والاجتماع وصولا إلى الإنسان، دون أن تنسى تلك الألفية المهمشة وهي الغالبة على أمر الناس. دورها في تطوير ارثها الثقافي التاريخي الذي كان ومازال أيقونة المجد القديم، أن الواقع يخالف نزوة السلطة في تأسيها لخطاب ديني موحد، متابعة بذلك للحالة السعودية والمملكة المغربية. إلا أنّ الامتداد الفكري الذي احتضنته هذه الجمهورية على عقود من الزمن، يستحيل على تلك الدول أن تنحل طريقها.

هناك العديد من الفرق داخل المؤسسة الدينية الاجتماعية وهناك العديد من الأصوات تصدر عن الفئات التابعة لتلك الفرق، ولا يزالون مختلفين. إننا اليوم نواجه صعوبات جمة تتحدى قيمنا وتاريخنا وارثنا الثقافي، تلك الاختلالات في الفهم حتمت على بعض المفكرين الخوض في مجالات التففه والعقيدة متناسين المنتوج الديني الذي يرتكز على صفة الاختصاص والمراجعة. أصبح اليوم في ضوء ما بعد الحداثة وتجليات العولمة الليبرالية المتفسّخة، وجود فقاعات تحررية تطفو فوق العادة والعبادة وتحاجج دون بينة واضحة. وعلى هذا التوجه البروتستانتي المسلم الذي يتغلغل بمجتمعنا الجزائري، حيث السنة هي محال تاريخي وظاهرة محكية، لا يمكننا تصديق روايتها بالكلية فإن الالتفاف المؤسساتي للدولة الجزائرية يجب أن يكون بحذر وبعناية، إن هي أرادت بسط الخطاب الذي يمثلها عن طريق أدواتها المتعددة وأن تتماهى مع الحالة المجاورة للمجتمعات المغاربية. وعلى هذا الأساس نقول: إن نبحث داخل المذهب، نجد داخله تلك الشهادة التي تؤهلنا لكي نكون حقا ممثلين وحملة وداعين له، لا عمائما تسلب لحاها.



حول هذه القصة

هناك تياران في الداخل الأمريكي فيما يخص السياسات الخارجية، لا أقول ديمقراطيين وجمهوريين، ولا يمينا ويسارا، إنما إمبرياليا وغير إمبريالي، حيث التيار الإمبريالي هو امتداد للعقلية الاستعمارية القديم.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة