سُمية ماهر.. والوجع الأزلي!

يا أيُها الوجعُ المسافرُ عبر عروقنا، تمهل فإن مسيرك قد طال ومال، وحال بيننا وبين حياةٍ وصفها خالقُها بلعبٍ ولهو تجرأت غير مُبالٍ على تحويلها دون حقٍ إلى حقلٍ خصبٍ تحرث فيه بذورك وبذور خيباتنا التي تنضج على عجل دون مهل. رغم ما في البُعد عن أقلامنا من كسبٍ، وما في الصمت من نجاةٍ وما في الكلمة من حساب وعذاب، إلا ان جُل ما في البُعد دنى، وكل ما في الصمتِ نادى بأن هناك في مكانٍ لا نعلمه، وزمانٍ بتنا غير قادرين إلا على حسابه، جسدٌ بلا روحٍ لا زال يسكنُ بين جدران أربعٍ او سكنتهُ هي، لا نعلمُ من الفاعل ومن المفعول، لا ندري أين الخبر، لا نعرف كيف الحال، لا نفهم نوع الظرف، لا نفقه فيم المُبتدأ والمُنتهى.

فتاة أيقظها صوت دجيج السلاح وصخب عشرات الأقدام في منزل أبيها الغائب، لتجد منهم من يُفتِّش ومن يسرق، ومن يُسكِت ومن يُبعِد، حتى جاءت الطامة – التي ظنناها كُبرى يومها – بإلقاء القبض على الفتاة ذات الـ27 عاماً ووالدتها، كما لو كنت تشاهدُ مشهداً سينمائياً، او تقراً ما ترويه أجاثا كريستي في مغامراتها، أو تطلق العنان لخيالك لتأتي بسقف ما يصلُ إليه عن الإرهاب وكيفية تطبيقه لتكتب سيناريو فيلماً هابطاً.

سُمية ماهر، الاسم الذي بات مصدراً للألم لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع قليلاً ليشهد على ما يحدث لها منذ قرابة عامٍ كاملٍ لا تعلمُ أسرتها المكلومة عنها شيء سوى أنها بين يدي الدولة تُقلبها كيف تشاء حاذرةً كل الحذر من أن يطمئن عليها أحد حريصةً جُل الحرص على عزلها في مكانٍ مُجَّهلٍ بأمرٍ سيادي وكأنها أسيرة حربٍ ضروسٍ أو آكلة للحوم البشر. تسعة أشهر كاملة مرت على واقعة القبض على سمية وإخفائها بالتزامن مع التحقيق معها على ذمة قضية قدمتها نيابة أمن الدولة العليا في مصر والتي تأبى حتى اللحظة أن يطلعَ عليها أية محام بالمخالفة لكل المعايير والدساتير المحلية والدولية.

سُمية، العروس التي أصيبت قبيل القبض عليها بأمراض جعلتها تقضي ساعات وأيام بين الأطباء يحتجزها النظام المصري منذ تسعة أشهر في غرفة أتخيلُها خالية حتى من الهواء

"أنا مريضة، جابولي دكتور وقالي إنتي مريضة وبعدها سابني ومشي"، كانت تلك الكلمات هي بعض ما تمتمت به سُمية أمام قاضي التحقيق خلال تجديد حبسها الاخير حين سمح القاضي لمن هم خلف القفص الزجاجي المحيط بالقفص الحديدي والأسلاك أن يتحدثون أو يتمتمون ببضع حروفٍ لا تثمن ولا تشفي من وجعٍ استشعر به كل من مرت على مسامعه تلك الهمسات، الأمر الذي لم يختلف عن عرضها السابق من شهر ونصف أمام المحكمة والذي ظهرت فيه عليها علامات المرض حتى أن قدميها لم تقوَ على حملها رغم ما آل إليه جسدها من ضعف ونقص حاد في الوزن ينبئ عن كثيرٍ ويخبر عن مرير.

سُمية، العروس التي أصيبت قبيل القبض عليها بأمراض جعلتها تقضي ساعات وأيام بين الأطباء يحتجزها النظام المصري منذ تسعة أشهر في غرفة أتخيلُها خالية حتى من الهواء تٌلقى ضحيتها على أرضها كجثة ليس لها حاجات أنثوية بل آدمية، مُظلمة كظلام القبر تُشع خوفاً، تنشرُ هلعاً، تُجبر ساكنتها على تفضيل الموت وطلبه عن البقاء لحظة بين جدرانها.

تلك الفتاة وغيرها من الذين عشقوا تراب وطنٍ صفعهم فتحمّلوا وتجلدوا حتى نزفت العروق آهات لا يستمع إليها من رسم خارطة الوجع الذي نعيش، هناك حيث الغرف المُكيفة والوظائف والأعمال والأموال وتجارة الأمل والألم، حيث القوي أمير الركب والضعيف تدهسه القافلة، هنا حيث لا مكان سوى الزنازين ولا زمان إلا الليل، هنا حيث لا موطن للمغرر بهم سوى القبور، حيث الطاقة المنتهية، هنا حيث الانفجار الوشيك الذي ربما يحمل في شظاياه مخزون سنوات غاضبة وأيامٍ قاتمة ولحظات لم يرحمها الأسى.



حول هذه القصة

أعلن وزير الخارجية المجري بيتر زيجارتو أن بلاده قررت الانسحاب من اتفاق الأمم المتحدة الهادف لتنظيم الهجرة عالميا، معتبرا أنه يتعارض مع المصالح الأمنية لبلاده والمساعي الأوروبية لاستعادة الأمن.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة