المُتنبي .. شَاعرُ كُل العُصور !

يعد المتنبي واحداً من أكبر شعراء العرب، فهو من شعراء المعاني، خرج بالشعر عن أساليب العرب التقليدية، فهو إمام الطريقة الابتداعية في الشعر العربي، حظِي شعره بالحكم والأمثال، واختص بالإبداع في وصف المعارك، فأجاد التعبير والتصوير.

 

المتنبي:

هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي أبو الطيب الكندي الكوفي، سيد شعراء القرن الرابع الهجري، حيث كان المتنبي صاحب كبرياء وشجاعة وطَموح ومُحب للمغامرات، وكان في شِعره يعتز بعروبته، ويفتخر بنفسه، وكان أفضل شِعره في الحكمة وفلسفة الحياة ووصف المعارك، إذ جاء بصياغة قوية محكمة. ولعل عين الشاعر اللاقطة تفاصيل المشهد وقدرته الفائقة على التعبير الفني بصورة تنقل القارئ إلى جو المعركة، ليعايشها ويتفاعل معها كأنه حاضرٌ فيها، يرى الحدث ويسمعه ويتخيله ويشارك فيه.

 

وكان المتنبي شاعراً مبدعاً عملاقاً يعد بحق مفخرة للأدب العربي، فهو صاحب الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة. وجد الطريق أمامه أثناء تنقله لدى الأمراء والحكام، إذا تدور معظم قصائده حول مدحهم. إلا أن شِعره لا يقوم على التكلف والتصنع، لتَفجُرِ أحاسيسه وامتلاكهِ ناصية اللغة والبيان، مما أضفى عليه لوناً من الجمال والعذوبة، حيث ترك تراثاً عظيماً من الشعر القوي الواضح، يضم 326 قصيدة، تمثل عنواناً لسيرة حياته، صَوَّر فيها الحياة في القرن الرابع الهجري أوضح تصوير، ويستدل منها كيف جرت الحكمة على لسانه، لاسيما في قصائده الأخيرة التي بدا فيها وكأنه يودع الدنيا عندما قال:


أبْلى الهَوَى أسَفاً يَوْمَ النّوَى بَدَني … وَفَرّقَ الهَجْرُ بَيْنَ الجَفنِ وَالوَسَنِ

رُوحٌ تَرَدّدَ في مثلِ الخِلالِ إذا … أطَارَتِ الرّيحُ عنهُ الثّوْبَ لم يَبنِ

كَفَى بجِسْمي نُحُولاً أنّني رَجلٌ … لَوْلا مُخاطَبَتي إيّاكَ لمْ تَرَني

 

تسميته:
لم يكن المتنبي لينسَ نفسهُ حين يمدح أو يهجو أو يرثي، ولهذا نرى روح الفخر شائعةً في شِعره، حيث كان موْلعاً بإطراء الذات

قيل في هذا أمور كثيرة، من أصحها وأكثرها روايةً أنه ادعى النبوة وتبعه خلقٌ كثيرٌ من البدو، فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص فقبض عليه وسجنه، وتضاربت حول ذلك الروايات ولكن من الثابت أنه سُجن سنه 321هـ حيث كان مُستخفاً في السجن أول مرة، ولكن لما طال مقامه في السجن ولم يُطلق سراحه أرسل قصيدة يَستعطف فيها الأمير، فخرج من السجن وقد لُصق لقب المتنبي.

 

وفاته: 
رويَ أن المتنبي قد قام بهجاء ضبّه بن يزيد الأسدي بقصيدة شديدة، ولما كان عائداً إلى الكوفة وكان في جماعة منهم ابنه محسّد وغلامه مفلح، فلقيه فاتك بن أبي جهل الأسدي، وهو خال ضبّه وكان في جماعة أيضاً، ولما ظفر به فاتك أراد الهرب فقال له غلامه: أتهرب وأنت القائل:


الخَيْل واللّيْلُ والبَيْداءُ تَعْرفُني … والسّيْفُ والرّمْحُ والقرْطَاسُ والقَلَمُ


فقال له المتنبي: ألا يا بن اللخناء، قتلتني قتلك الله، ثم قاتل حتى قُتل هو ومن معه

بعضٌ من أشعاره:

في الفخر:

لم يكن المتنبي لينسَ نفسهُ حين يمدح أو يهجو أو يرثي، ولهذا نرى روح الفخر شائعةً في شِعره، حيث كان موْلعاً بإطراء الذات حين قال:


أَنَا الذَي نَظَرَ الأَعْمَى إِلَى أَدَبِي … وَأَسْمَعْتُ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ.

الخَيْلُ وَاللَيْلُ والبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي … والسَيْفُ وَالرُمْحُ والقِرْطَاسُ وَالقَلَمُ.

وقولهُ:

فِإِذَا أَتَتْكَ مَذَمَّتِي مِنْ نَاقِصٍ … فَهِيَ الشَهَادَةُ لِيْ بَأَنِّيْ كَامِلُ.

وكثيراً ما كان يفخر بشخصه مُعلياً شأن ذاته المتفوقة:

أمِطْ عَنكَ تَشبيهي بمَا وَكَأنّهُ … فَمَا أحَدٌ فَوْقي وَلا أحَدٌ مِثْلي.

 

في الإقدام:

لَولا المَشَقَةُ سادَ النّاسُ كُلُّهُمُ … الجودُ يُفقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ.

 

في الحكمة:

اشتهر المتنبي بالحكمة حيت أصبحت كثير من أقوالة مجرى الأمثال حتى يومنا هذا، حيث كان من أشهرها :


 إِذَا رَأَيْتَ نُيُوْبَ اللَيْثِ بَارِزَةً … فَلَا تَظُنَّنَ أَنَّ اللَيْثَ يَبْتَسِمُ.

 لَا تَحْقَرَنَّ صَغِيْرًا فِيْ مُخَاصَمَةٍ … إِنَّ البَعُوْضَةَ تُدْمِيْ مُقْلَةَ الأَسَدِ.

 وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً … تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ.

 وَمَا انْتِفَاعُ أخي الدّنْيَا بِنَاظِرِهِ     … إذا اسْتَوَتْ عِنْدَهُ الأنْوارُ وَالظُّلَمُ.

 إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ … فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ.

 ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ … وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ.

 إِذَا الجُوْدُ لَمْ يُرْزَقْ خَلَاصًا مِنَ الأَذَى … فَلَا الحَمْدُ مَكْسُوْبًا وَلَا المَالُ بَاقِيَا.

 

في الغزل:


لعَيْنَيْكِ ما يَلقَى الفُؤادُ وَمَا لَقي … وللحُبّ ما لم يَبقَ منّي وما بَقي.

وَما كنتُ ممّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قلبَ … وَلكِنّ مَن يُبصِرْ جفونَكِ يَعشَقِ.


وقوله:

وَعَذَلْتُ أهْلَ العِشْقِ حتى ذُقْتُهُ … فعجبتُ كيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ.

وَعَذَرْتُهُمْ وعَرَفْتُ ذَنْبي أنّني … عَيّرْتُهُمْ فَلَقيتُ فيهِ ما لَقُوا.

وقوله:

بفَرْعٍ يُعيدُ اللّيْلَ والصّبْحُ نَيّرٌ … ووَجهٍ يُعيدُ الصّبحَ واللّيلُ مُظلِمُ.

 

في المدح:

لقد كان للمتنبي حظوةٌ عند سيف الدولة، حيث كانت هذه من أبرز وأشهر القصائد التي مَدح بها المتنبي سيف الدولة حين قال في مَطلَعها:


عَـلَى قَـدْرِ أَهـلِ العَـزمِ تَأتِي العَزائِمُ … وتَــأتِي عَـلَى قَـدْرِ الكِـرامِ المَكـارِمُ.

وتَعظُـمُ فـي عَيـنِ الصّغِـيرِ صِغارُها … وتَصغُـر فـي عَيـنِ العَظِيـمِ العَظائِمُ.

يُكـلّفُ سَـيفُ الدَولَـةِ الجَـيشَ هَمّـهُ … وقـد عَجَـزَتْ عنـهُ الجُيوشُ الخَضارِمُ.

 

في الهجاء:


أغَايَةُ الدّينِ أنْ تُحْفُوا شَوَارِبَكم … يا أُمّةً ضَحكَتْ مِن جَهلِها الأُمَمُ.

من قولهِ في هجاء كافور الإخشيدي:

من أيّةِ الطُّرْقِ يأتي مثلَكَ الكَرَمُ … أينَ المَحاجِمُ يا كافُورُ وَالجَلَمُ.

جازَ الأُلى مَلكَتْ كَفّاكَ قَدْرَهُمُ … فعُرّفُوا بكَ أنّ الكَلْبَ فوْقَهُمُ.

ساداتُ كلّ أُنَاسٍ مِنْ نُفُوسِهِمِ … وَسادَةُ المُسلِمينَ الأعْبُدُ القَزَمُ.



حول هذه القصة

تستمر المنافسة بين الشعراء المشاركين بالدورة الثالثة لجائزة كتارا لشاعر الرسول صلى الله عليه وسلم التي انطلقت بالعاصمة القطرية الدوحة أمس، وتستمر حتى السبت القادم.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة