أفول الحب وفظاظة العشاق

لا مناص أن في زماننا القائم يصعب إيجاد فرد لم يخض أبدا تجربة حب في ربيع شبابه، أو على الأقل لم يدخل في علاقة عاطفية مهما كانت نوعيتها ومدتها وديناميتها، بل أصبح تاريخنا مرتبط بآخرين يستولون علينا بشكل أو بآخر مما يجعل من الحب لغزا محيرا، وإن الحديث عنه يستوجب أولا تحديد نوعية الحب المراد الإلمام به، ومما لا شك فيه أن منذ قراءتك للجمل الأولى أو العنوان أدركت أنني بصدد التوقف عند تلك العلاقة التفاعلية الغرامية أو الرومانسية بين الجنسين (الحب) الذي هو شبيه بالدخول لمتاهة تُجهل معالمها، فيه مُشادّة بين الواضح البيِّن وبين الملتبس المبهم، يتسابق الأفراد في رحلة التفتيش عن من يوقع بمشاعرهم، ليبقى التيه يعتريه لكونه احساس داخلي وباطني يشعر به الفرد لوحده دون غيره.

ومن المناسب أن الحب يبعث في نفوس الأفراد إرادة جامحة، ويمكن اعتباره عملية تخيلية للواقع يجعلك ترسم خريطة أمل وتطمح في مكسب لتجاوز القلق اللحظي، فكل طرف يكن للآخر مخزونا عاطفيا وفيرا غير مشروط، وهذا ما يجعل معظم الأزواج يقرون أن الحب قبل الزواج له طعم مميز على غرار ما يكون عليه الأمر بعده، هذا شيء بديهي طبعا لأنه قبل عقد القران يصبح الفرد حرا في كيفية تدبير سلوكياته وأفعاله وعواطفه.

 

أكبر سبب يدفع شباب اليوم إلى إنشاء علاقات عاطفية متعددة، لينتقلوا بذلك من علاقة لأخرى لعجزهم عن قيادة مشاعرهم وفهمها وتوجيهها اتجاه شخص واحد

أما بعد العيش تحت سقف واحد يكون الوضع مختلفا ليلقى الطرفان نفسيهما مكبلان بالعديد من القيود الداخلية والخارجية تعارض الإسراف العاطفي المبعثر والتحرر السلوكي المخير، أما إذا كانا يتوفران على أولاد فتلك رواية أخرى تجعلك مستسلما لأمر الواقع، في حين تبقى الرغبة دوما المحرك الفعلي لهذه العملية الدينامية، في الأول تتجسد العلاقة عندما تصبح في مرتبة الاعجاب كقبول ورغبة في مصاحبة الآخر وعند وصولها موضع الحب لم نعد هنا نتحدث عن الرغبة الاعتيادية فالأمر يتجاوزها بشكل مؤكد ليبدوا مختلفا حيث يسعى كل طرف لتملك الآخر والانصياع لرغباته.

لقد ارتئ الإنسان إلى تقديس الحب والإشادة به وتأتى ذلك منذ الأزل وكانت القصائد والمسارح وغيرها التي تناولته خير حجة، وللإشارة فقط فالفلسفة كانت أكثر جرأة وواقعية في تناول هذا المفهوم بحيث أبعدته عن الدلالة العامية ووضحته بشكل موضوعي، وشددت على أن هذا العجب الذي يجعلنا نرغب في الآخر ونتعلق بميزاته ليس سوى تعبير غير مباشر لسيادة الغرائز، وبكل تأكيد التذلل والخنوع من أجل الآخر سيؤثر سلبا على الفرد خصوصا بعد التفرقة، وسينعكس بالخصوص على تأزم عواطفه.

 

وهذا أكبر سبب يدفع شباب اليوم إلى إنشاء علاقات عاطفية متعددة، لينتقلوا بذلك من علاقة لأخرى لعجزهم عن قيادة مشاعرهم وفهمها وتوجيهها اتجاه شخص واحد، وهذه التجارب المتراكمة المبعثرة والعواطف المجروحة ستجعل الفرد مكسور الجوارح حتما سيرفض الوفاء والإيمان بالحب، وهناك احتمالية كبرى أن يلتحق بقائمة العزوف عن الزواج.

حين يرغب شخص في آخر يزداد تعلقه به، ويرى حاجته فيه بغية أن يحدث تنعما ورفاهية في نفسه ليصير الآخر بكل هوادة مصدر اغتباطه بشكل لا شعوري، ويقع تباين بين الأنثى والرجل في كيفية الفهم والإعلان والانخراط في العلاقة المعاصرة، فالرجل غالبا وليس دائما يكون شقي المشاعر ويحاول دوما التملك بأقل مجهود ممكن، ويرمي إلى بلوغ ما يصبوا ‘ليه في العلاقة بحماس زائد وفي أقل وقت ممكن.

 

أفل الحب في زمن الانفلات من أغلال التشدد والسعي لتخليد الإرث المجتمعي وحقق انخراطا جذريا في جوف التحرر والعولمة، التي ما برأت حتى أزمت كل القيم والأعراف
 

على عكس الأنثى التي تحاول غالبا إثراء الطرف الآخر بالحب بمشاعر رقيقة وعطوفة ولا تأبه بشيء سوى أن تثبت ذاتها كأهل للحب، عن طريق سعيها للحفاظ على العلاقة فإن حدثت مشاجرة تسارع فورا في إحداث مهادنة، إذن لا شك أن العواطف تطغى بشكل عميق في صيرورة العلاقات الغرامية، والكل يعلم أيضا أن العاطفة تلغي العقل والحكمة فلا يمكن الجمع بينهما مما يشجع على انحراف العلاقات وإطلاق العنان لانتصار النزوات.

أفل الحب في زمن الانفلات من أغلال التشدد والسعي لتخليد الإرث المجتمعي وحقق انخراطا جذريا في جوف التحرر والعولمة، التي ما برأت حتى أزمت كل القيم والأعراف وهدمت جسر التواصل مع الأجيال السابقة وأعلنت التبعية المطلقة لسفاهتها حتى ما عدنا نشهد الإخاء على كثير من الأصعدة فما بالك بالحب، شباب اليوم يتم قرصنته منذ نعومة أظافره بالعديد من الآليات ليغدوا مطيعا وخاضعا لأمر الواقع، ولهذا أصبح الحب في مجتمعاتنا مجرد صورة تعكس العوز والحرمان للإنسان العربي الذي كان بالأمس محافظا ورزينا واليوم أضحى سفيها مجردا من أصالته وعفته، ليطرح مجموع هذا الواقع المهزوم استفهاما عريضا، إلى أين؟



حول هذه القصة

أعلن وزير الخارجية المجري بيتر زيجارتو أن بلاده قررت الانسحاب من اتفاق الأمم المتحدة الهادف لتنظيم الهجرة عالميا، معتبرا أنه يتعارض مع المصالح الأمنية لبلاده والمساعي الأوروبية لاستعادة الأمن.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة